قال شقيق : التوكل طمأنينة القلب بموعود الله.
قال سهل : التوكل طرح البدن في العبودية ، وتعلق القلب بالربوبية.
قال الواسطي : من توكّل على الله لعلّة غير الله فليس بمتوكّل على الله ، جعله سببا إلى مقصوده ، وفي ذلك قلّة المعرفة بربّه.
(قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧))
قوله تعالى : (قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) من بلغ عين التمكين ملك نفسه ، وملك نفوس المريدين ؛ لأنّه عرفها بمعرفة الله ومعها من الله سلطان سائس قاهر ، من نظر إليه يفزع من الله ، لا يطيق عصيانه ظاهرا وباطنا ، فأخبر عليهالسلام عن محل تمكينه وقدرته على نفسه ونفس أخيه ، وأعلمنا أن بينهما اتحادا ، بحيث أنه إذا حكم على نفسه صارت نفس أخيه مطمئنة طائعة لله بالانفعال ، قال صلىاللهعليهوسلم : «المؤمنون كنفس واحدة» (١) ، ويمكن أنه عليهالسلام كان مخبرا عن مقام القدرة التي اتصف بها من الله سبحانه ، وفيه بيان لطف استعداد لهارون عليهالسلام بقبول تلك القدرة الإلهية.
قال سهل في قوله : (لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) : أي : في مخالفة هواها.
قيل : في بذلها لله واستعمالها في طاعته.
قال الأستاذ : لمّا ادّعى أنه يملك نفسه عرف عجزه عن ملكه لنفسه ؛ حيث أخذ برأس أخيه يجره إليه ، تقدّس شأن موسى عليهالسلام من كل خاطر ، إشارته إلى أنه لا يعرفه مكان عجزه من النفع والضرّ في ذرة ؛ لأنه عرف أن سلطان قهر الله غالب على كل شيء ، وأن الحدث له قدر في الربوبية عند ساحة الكبرياء.
قوله تعالى : (إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ) من لم يسبق له في الأزل عناية الله صار إحسانه إساءة ، وطاعته تؤول إلى المعصية.
كما قيل : من لم يكن للوصال أهلا فكل إحسانه ذنوب ، قرّب هابيل بقربان نفسه لله ، وقرّب قابيل لحظ نفسه بغيا وحسدا على أمر كان مشرفا بتأيد الله ، فلا جرم حاله كان يئول إلى
__________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
