(وَالْيَتامى) أهل فرقة الله الذين وقعوا في الفترة وآفة الشهوة ، واحتجبوا بها عن المشاهدة ، فإحسانهم ترغيبهم إلى طاعة مولاهم ، وتشويقهم إلى مشاهدة سيدهم مع التلطف والظرافة في دعائهم الله ، ومن مات أستاذه قبل بلوغه إلى درجة القوم فهو يتيم المعرفة ، والإحسان إليه تربيته بآداب القوم ؛ لئلا ينقطع عن الطريق.
قوله تعالى : (وَالْمَساكِينِ) أراد به السالكين غير المكذوبين ؛ فإن المساكين سلكوا طريق المقامات بالمجاهدات ، وإحسانهم كشف أسرار المشاهدات عندهم لتقع آثار المحبة في قلوبهم ، فيسكنوا عن المجاهدات الظاهرة ، ويطلبوا الحق بالقلوب الحاضرة والأسرار الظاهرة ؛ ليصلوا بطرفة عين إلى مقام لا يصلون إليه بألف سنة بالمجاهدة والرياضة.
وأيضا : المساكين الذين وقفوا على باب العظمة ، وتاهوا في أودية الصفة ، وتحيروا في بيداء القدم ، ولم يجدوا سبيلا إلى مرادهم الكلي لظهور النكرة في المعرفة ، والمعرفة في النكرة ، فأمر الله سبحانه أن يواسيهم بما يفرج عنهم أثقال العظمة بروح القلوب ، وذلك المجالسة بالسماع مع صوت طيب ورائحة طيبة بين كرام المعارف وأشراف الكواشف ؛ ليستأنسوا بسماع ساعة كي لا يحترقوا بنيران الكبرياء.
قال عليهالسلام : «روّحوا قلوبكم ساعة فساعة» (١).
أمرهم بالنشاط بالله على الله ؛ لعلمه باحتراق أهل الإجلال والعظمة ؛ فأشفق عليهم ، وأمرهم بالتوسع ، وفتح عليهم باب الرخص زيادة تشوقهم ومحبتهم جماله تعالى.
قوله تعالى : (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى) أي : أحسنوا إلى من كان مقامه موافقا لمقاماتكم ؛ لأنه في طريق المعرفة جار قربة الله ، وهو قرابتكم في محبة الله.
وأيضا : (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى) هو الروح الناطقة العارفة العاشقة الملكوتية ، التي خرجت من العدم بتجلي القدم ، وانقدحت من زنود الأزل ، وهي أقرب كل شيء منك ، وهي جار الله ، وهي مصبوغة بصبغ الله ، وهي في يمين الله ، قال عليهالسلام : «الأرواح في يمين الله» (٢) ، ومعذبها من قلبك منظر نور التجلي ، ومسكن نور سنا التدلي ، وإحسانها أن تطيرها بجناح المعرفة والشوق والمحبة إلى عالم المشاهدة ، بعد أن تطلقها من قيد الطبيعة ، وتقدس سكنها من حظوظ البشرية ، وهي أقرب القرابة منك ؛ لأنها أصل قيامك ، وأنت قائم بها.
(وَالْجارِ الْجُنُبِ) هو المريد المبتدئ ، فإحسانك إليه أن ترغّبه إلى سلوك مدارج
__________________
(١) رواه الديلمي في الفردوس (٢ / ٢٥٣).
(٢) ذكره المصنف في مشرب الأرواح (ص ٧٨).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
