قوله تعالى : (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (١) أمر بشيئين : العبودية والإخلاص في العبودية ، ولا تكون العبادة مع الشرك ، ولا يكون الإخلاص والتوحيد بغير العبادة ، فطلب التوحيد بنعت إفراد القدم عن الحدوث ، ونفي الأنداد والأضداد ، وطلب العبادة المقرونة بهذا التوحيد ؛ لتكون العبادة موافقة للتوحيد ، ويكون التوحيد موافقا لتنزيه القدم.
خلق النفس مع حظها ، وأمر العباد بتقديس حظ اليقين عن اليقين ، وكيف يكون تبديل الخلق وطبع النفس أن يكون مائلا إلى غير الله ـ تعالى ـ أي : اطلبوا مني تقديس الأسرار في كشوف الأنوار ؛ فإني قادر على أن أزمّها بأزمّة الوحدانية ، وأسيرها خاضعة لفردانيتي.
وأيضا : اعبدوا الله لله ، لا على رؤية العوض والعبادة ؛ فإنهما شرك العارفين ، واعبدوه على رؤية التقصير ؛ فإنها عبادة الموحدين ، وأيضا : شغلهم منه به ، ولو أحبهم بالحب البالغ أسكرهم بشراب القرب والمشاهدة ، وأوقعهم في بحار القدم بعد خروجهم من العدم ، وهذا آخر الأمر في المحبة والمعرفة ؛ ألا ترى كيف وقع بالامتحان من أهل الجنة ، وأخبر عنهم بما وجدوا من راحة القرب والمشاهدة بغير نصب الامتحان (الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ) [فاطر : ٣٥].
قال أبو يزيد : إن الله سبحانه نظر في العالم فلم ير أهلا لمعرفته ، فشغلهم بعبادته.
قال أبو عثمان : حقيقة العبودية قطع العلائق والشركاء عن الشرك.
وقال الواسطي : الشرك رؤية التقصير والعزة من نفسه والملامة عليها ، يقال له : ألزمت الملامة من تولى إقامتها ومن قضي عليها الشره.
وقال بعضهم : العبودية فناؤك عن مشاهدتك في مشاهدة من تعبده.
قوله تعالى : (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) الوالدان : مشايخ المعرفة ، وإحسان المريدين إليهم بوضع أعناقهم عند ساحاتهم بنعت ترك مخالفاتهم في جميع الأنفاس مع نشر فضائلهم عند الخلق والدعاء لهم بمزيد القرب.
قال الجنيد : أمرني أبي أمرا ، وأمرني السري أمرا ، فقدّمت أمر السري على أمر أبي ، وكل ما وجدت فهو من بركاته.
قوله : (وَبِذِي الْقُرْبى) أي : إخوان المحبة من أهل قربة الله.
__________________
(١) العبادة موافقة الأمر ، وهي استفراغ الطاقة في مطالبات تحقيق الغيب ، ويدخل فيه التوحيد بالقلب ، والتجريد بالسر ، والتفريد بالقصد ، والخضوع بالنفس ، والاستسلام للحكم ، ويقال : اعبدوه بالتجرد عن المحظورات ، والتجلد في أداء الطاعات ، ومقابلة الواجبات بالخشوع والاستكانة ، والتجافي عن التعريج في منازل الكسل والاستهانة [تفسير القشيري (١ / ٢٨)].
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
