الصدّيقين العارفين ، وتنشر له مطويات أسرار المحبين وفضائل أحوال المشتاقين.
وأيضا : (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى) صورتك التي هي حاملة الروح ، والإحسان إليها أن تفطم جوارحها من حظوظ المعاصي والشهوات.
(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) يعني رفيقك في سفر الغيب ، الذي هيّجه حب الله إليه ، وشوقه معرفة الله إلى معرفة الله ؛ فأنفاسه أنفاسك ، وسرّه سرّك ، ومقامه مقامك ، وهو قرينك في غربة الأزل ، وأسفار الأبد ، وإحسانك إليه ؛ إذ كاد ينقطع بلذة المحبة من المحبوب ، لن تخوفه من مكره ، وترغبه إلى طلب الفناء فيه.
وأيضا : (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) هو قلبك ، وإحسانك إليه أن تفرده من الحدثان ، وتشوقه إلى جمال الرحمن.
وأيضا : (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) هي النفس الأمّارة بالسوء ، التي قال سيد المرسلين وإمام العالمين محمد صلىاللهعليهوسلم : «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك» (١) ، وإحسانك إليها أن تحبسها في سجن العبودية ، وتمنعها عن الشهوة ، وتحرقها بنيران المحبة ، وتزر ترابها برياح المعرفة ، حتى لا يبقى في جار الله غير الله.
(وَابْنِ السَّبِيلِ) أي : غريب الله في بلاد الله ؛ حيث لا يعرفه سوى الله ، الذي يتطرق إليه من نور الأفعال إلى نور الصفات ، ومن نور الصفات إلى نور الذات ، وهو في غربة الآزال والآباد لا يذكر روعته ولا يطفئ حرقته ، ويزيد تحيره وتغربه ، لا يعرفه أحد يواسيه ، قال عليهالسلام : «إن حضروا لم يعرفوا ، وإن غابوا لم يفتقدوا» (٢).
وزاد في وصفهم : لا يفتح لهم السدد ، ولا يروحهم المنعمات ، أنوار قلوبهم أنور بنور الشمس ، والإحسان إليهم بدر المهجة بين أيديهم ، وزيادة الاستطابة في أوقاتهم ، ودفع الأغيار عن صحبتهم ، حتى لا يطّلع عليه أحد يمنعهم من أحوالهم ساعة.
(وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي : مريدوكم الذين هم أرقّاء الإرادة ، والإحسان إليهم تربيتهم في طريق الله بآداب الله ، ونشر كرامة الله عندهم ، ودعاؤهم إلى طريق الرجاء ؛ لأن الراجي طيار ، والخائف سيار ، وتعليمهم طريق المشاهدة بلزوم المراقبة.
وذكر سهل بن عبد الله في تفسير هذه الآية قال : (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى) هو القلب ، و (وَالْجارِ الْجُنُبِ) هو النفس ، (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) العقل الذي ظهر على اقتضاء
__________________
(١) رواه البيهقي في الزهد الكبير (٢ / ١٥٧).
(٢) ذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة (٤ / ٢٥٠).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
