لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) [البقرة : ٤٥].
ثم إنّ لطاعته وأمره وقوله ثقل الربوبية بقوله : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) [المزمل : ٥] فيرفع الله عن عارفه في مقام المشاهدة ثقل الربوبية والعبودية ، ويسهل أمرهما عليه ، ويحمل عنه له ، قال تعالى : (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى) [المزمل : ٢٠] ، وقال : (طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) [طه : ١ ، ٢].
وتصديق ذلك قوله : (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً).
قيل : (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) أثقال العبودية ؛ لعلمه بضعفكم وجهلكم.
وقيل : (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) ما جهلتموه بجهلكم من عظيم الأمانة.
يقال : يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الرضوان.
ويقال : يخفف عنكم كلفة الأمانة بحملها عنكم.
ويقال : يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يفتح بقلوبكم من أنوار المشاهدات.
قوله تعالى : (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) أي : عن حمل واردات الغيب وسطوات المشاهدة وكشوف الصفة وضعف هيجانه وهيمانه وزعقاته وشهقاته ودورانه وسيرانه.
قيل : ضعيف الرأي وضعيف العقل إلا من أيّد بنور اليقين ، فقوته باليقين لا بنفسه.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١))
قوله تعالى : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) هذا خطاب أهل الرفاهية والأنس والروح والبسط ، أي : لا تقتلوا أنفسكم المطمئنة بالمجاهدات والرياضات ، ولا تحملوا مشقة الجهل في العبودية قلوبكم الروحانية ، ولا تؤذوا أرواحكم القدسية بشروعكم فيما لا يليق بالبداية ؛ فإنّ هذه الأشياء تمنع الأرواح العاشقة من طيرانها في عالم المشاهدات ، وتغم عليها أنوار المكاشفات.
وتصديق ذلك قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) أي : كان في الأزل رحيما بأوليائه في وضع أثقال العبودية الشاقة عنهم في مقام مشاهدتهم روح قلوبهم بالله.
ألا ترى كيف سهّل على سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه أمر العبودية بقوله :
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
