قوله تعالى : (فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) كل أمر من الله سبحانه جاء على مخالفة النفوس امتحانا واختبارا ، والنفس كارهة في العبودية ، فإذا ألزمت عليها حقوق الله بنعت المجاهدة والرياضة ، واستقامت في عبودية الله أوّل ما يطلع على قلبك أنوار جنان القرب والمشاهدة ، قال تعالى : (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى) [النازعات : ٤٠] ، وفي أجواف ظلام المجاهدات للعارفين شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات.
قيل في تفسير الخير هاهنا : الولد الصالح.
قيل : غيب عنك العواقب ؛ لئلا تسكن إلى المألوف ، ولا تنفر من مكروه.
قوله : (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي : أن يصرح لكم ما أشكل على قلوبكم من علوم الغيبة وأحكام الإلهامية وحقائق الشرعية ليقتدي بكم المريدون ، ويستفيد منكم الصادقون.
قيل : أي أنه ليس إليكم من أموركم شيء.
وقال الأستاذ : أي يكاشفكم بأسراره ، ليظهر لكم ما أخفي على غيركم.
قوله تعالى : (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (١) يعني : طرق معارف الأنبياء وكواشف الأصفياء وسبل مقاماتهم وحالاتهم ورياضتهم.
قيل : سنن الأنبياء والصدّيقين التفويض والتسليم والرضا بالمقدور ساء أم سرّ.
قوله تعالى : (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) إرادته قديمة ، وزلتنا محدثة ، ومراده تعالى من ذنبنا رجوعه إلينا بنعت استقباله علينا ، وهذا من كماله محبة عبادة في الأزل.
قال النصر آبادي : أراد لك التوبة فتاب عليك ، ولو أردته لنفسك لعلك كنت تحرم.
قوله تعالى : (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) أي : أن يخفف عنكم من ثقل أوزار المعصية إذا باشرتم أمره بمراده ، وإذا استقبل العبد إلى الله سبحانه في قبول أمره ثقلت عليه النفس ، فإذا صبر في العبودية رفع الله أثقال النفس عنه حتى صار مخففا في عبادته ، قال تعالى : (وَإِنَّها
__________________
(١) إنما ينزل المريد إلى العلوم الرسمية ، أو الأعمال الحسية ، إذا خشي الانمحاق أو الاصطلام في بحر الحقائق ، وإن صبر وتماسك ، حتى يتقوى على حمل أعبائها ، فهو خير له ، لأن الرجوع إلى الحس ، لا يؤمن من الحبس ، والله غفور لمن تنزل لعلة ما تقدم ، رحيم حين جعل له الرخصة ، (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) سلوك الطريق إلى عين التحقيق ، ويهديكم طرق الوصول ، كما هدى من قبلكم ، ويتوب فيما خطر ببالكم ، من الفترة أو الوقفة ، والله يريد أن يتعطف عليكم ، لترجعوا إليه بكليتكم. [البحر المديد (١ / ٤١٦)].
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
