(طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) ، وبيّن أن قربته ووصله تتعلق برحمته السابقة لا بأمانة النفوس وكثرة المجاهدات.
وأيضا : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) الروحانية الملكوتية بمتابعة هوى النفوس الأمارة الشيطانية ؛ فإنّ النفس الروحانية في جوار النفس الأمارة ، وإذا علت بهواها على النفس الروحانية أظلمتها بغيم المعصية.
قال بعضهم : لا تهلكوا أنفسكم بارتكاب المخالفات واستكثار الطاعات.
قال محمد بن الفضل : باتباع هواها ، قال : فقيل : لا تغفلوا عن حظ أنفسكم ، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها (إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً).
ويقال : بنظركم إليها ، وملاحظتكم إياها.
وقال علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن جعفر ـ رضي الله عنهم : معناه لا تغفلوا عن أنفسكم ؛ فإنّ من غفل عن نفسه غفل عنه ربه ، ومن غفل عن ربه قتل نفسه.
قوله تعالى : (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) (١) الكبائر هاهنا في الإشارة رؤية العبودية في مشهد الربوبية ، ورؤية الأعواض في الخدمة ، وميل النفس إلى غير الله من العرش إلى الثرى ، والسكون والوقفة في مقام الكرامات ، وإظهار المقامات قبل بلوغها برسوم الرسومات والخطرات السارقة الجارية بخفيات ضمائر الرضا في بطنان ضمائر الأسرار ، وهذه المحن حجبات المعارف من بقي فيها تقاعد عن سلوك المعرفة ، واحتجب بنفسه عن نور المشاهدة ، وأنّه تعالى نبّهنا أن من حجب عنها ، وإن باشرها يعينه ويؤيده بتخليصه عنها وبرفع الوحشة والكدورة التي بقيت منها في قلبه عن ذلك.
قوله تعالى : (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) ومن خرج عن هذه الظلمات أدرك ما فاته من المقامات ، وزاد قربه في المشاهدات بقوله تعالى : (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) والمدخل الكريم : وصال جماله وإدراك لطائف نواله.
قال أبو تراب : أمر الله باجتناب الكبائر ، وهي الدعاوى الفاسدة ، والإشارات الباطلة ، وإطلاق اللفظ بغير الحقيقة.
__________________
(١) الكبائر ـ على لسان العلم ـ هاهنا : الشّرك بالله ، وعلى بيان الإشارة أيضا الشّرك الخفيّ ، ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق ، واستجلاء قبولهم ، والتودد إليهم ، والإغماض على حق الله بسببهم ، ويقال : إذا سلم العهد فما حصل من مجاوزة الحد ؛ فهو بعيد عن التكفير ، ويقال : أكبر الكبائر إثباتك نفسك ، فإذا شاهدت نفيها تخلّصت من أسر المحن [تفسير القشيري (٢١ / ٤٧٢)].
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
