قولهم (طريق ذو شواكل) وهي الطرق التي تتشعب منه لتشاكلها. أي تشابهها في الشكل. فسميت عادة المرء بها ، لأنها تشاكل حاله. والدليل عليه قوله تعالى : (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً) أي أسدّ مذهبا وطريقة ، من العاملين : عامل الخير بمقتضى سجية القلب الفاضلة ، وعامل الشر بمقتضى طبيعة النفس ، فيجازيهما بحسب أعمالهما.
وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى :
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (٨٥)
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) قال القاشاني : أي الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه للظاهريين البدنيين ، الذين يتجاوز إدراكهم الحس والمحسوس ، بالتشبيه ببعض ما شعروا به ، والتوصيف. بل من عالم الأمر ، أي الإبداع الذي هو عالم الذوات المجردة عن الهيولى ، والجواهر المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين ، فلا يمكنكم إدراكه أيها المحجوبون بالكون ، لقصور إدراككم وعلمكم عنه (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) هو علم المحسوسات. وذلك شيء نزر حقير بالنسبة إلى علم الله والراسخين في العلم ـ هذا ما قاله القاشانيّ ـ وحاصل الجواب عليه : أن الروح موجود محدث بأمره تعالى بلا مادة ، وتولد من أصل كأعضاء الجسد ، حتى يمكن تعريفه ببعض مبادئه ، بل هو من عالم الأمر لا من عالم الخلق. فيكون الاقتصار في الجواب على قوله : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) كما اقتصر موسى في جواب قول فرعون (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) [الشعراء : ٢٣] ، على قوله (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الشعراء : ٢٤] ، إعلاما بأن إدراكه بالكنه على ما هو عليه ، لا يعلمه إلا الله تعالى. وأنه شيء بمفارقته يموت الإنسان. وبملازمته له يبقى. كما أومأ إليه قوله تعالى : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) أي علما قليلا تستعيدونه من طرق الحواس. وهو هذا القدر الإجماليّ.
قال الشهاب : والسؤال ـ على هذا ـ عن حقيقتها. والجواب إجماليّ بأنها من المبدعات من غير مادة. ولذا قيل : إنه من الأسلوب الحكيم. كما في قوله : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) [البقرة : ١٨٩] ، إشارة إلى أن حقيقتها لا تعلم ، وإنما يعلم منها هذا المقدار. فالمراد ب (الأمر) على هذا التفسير (قول كن) ولذا قالوا لمثله : عالم الأمر. انتهى.
![تفسير القاسمي [ ج ٦ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3917_tafsir-alqasimi-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
