مقام الشفاعة العظمى ، للفصل بين الخلائق الذي يحمده فيه الأولون والآخرون. كما وردت به الأخبار الصحيحة (١). ومعنى النظم الكريم على هذا : كما انبعثت من النوم الذي هو الموت الأصغر ، بالصلاة والعبادة ، فسيبعثك ربك من بعد الموت الأكبر ، مقاما محمودا عندك وعند جميع الناس. وفيه تهوين لمشقة قيام الليل. أشار له أبو السعود.
تنبيه :
قال ابن جرير ذهب آخرون إلى أن ذلك المقام المحمود ، الذي وعد الله نبيه صلىاللهعليهوسلم أن يبعثه إياه ، هو أن يجلسه معه على عرشه ، رواه ليث عن مجاهد. وقد شنع الواحديّ على القائل به ، مع أنه رواه عن ابن مسعود أيضا وعبارته ـ على ما نقلها الرازيّ ـ وهذا قول رذل موحش فظيع ، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه :
الأول : أن البعث ضد الإجلاس ، يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال : بعث الله الميت ، أي أقامه من قبره. فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد.
الثاني : أنه تعالى قال : (مَقاماً مَحْمُوداً) ولم يقل مقعدا. والمقام موضع القيام لا موضع القعود.
الثالث : لو كان تعالى جالسا على العرش ، بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدودا متناهيا. ومن كان كذلك فهو محدث.
الرابع : يقال : إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز ، لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون (في كل أهل الجنة) : إنّهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا ، وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين ، لم يكن لتخصيص محمد صلىاللهعليهوسلم بها مزيد شرف ورتبة.
الخامس : أنه إذا قيل : السلطان بعث فلانا ، فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم. ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه. فثبت أن هذا القول كلام رذل سقط ، لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين. انتهى كلام الواحديّ.
__________________
(١) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، ١٧ ـ سورة الإسراء ، حديث رقم ٧٨٧ ، عن ابن عمر.
![تفسير القاسمي [ ج ٦ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3917_tafsir-alqasimi-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
