عَلى يُوسُفَ) أي يا حزني الشديد! و (الألف) بدل من ياء المتكلم للتخفيف ، وقيل : هي ألف الندبة ، والهاء محذوفة. و (الأسف) أشد الحزن والحسرة على ما فات ، وإنما تأسف على يوسف دون أخويه ، والحادث رزأهما. والرزء الأحدث أشد على النفس ، وأظهر أثرا ـ لأن الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت عليها الرزايا في ولده ، فكان الأسف عليه أسفا على من لحق به ، ولأنه لم يزل عن فكره ، فكان غضّا طريّا عنده ، كما قيل :
|
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده |
|
وكل جديد يذكّر بالقديم |
ولأنه كان واثقا بحياتهما ـ دون حياته.
(وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ) وذلك لكثرة بكائه.
قال الزمخشري : إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين ، وقلبته إلى بياض كدر. (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي مملوء من الغيظ على أولاده ، ولا يظهر ما يسوؤهم. (فعليل) بمعنى (مفعول) كقوله (وَهُوَ مَكْظُومٌ) [القلم : ٤٨] ، أو بمعنى شديد التجرع للغيظ أو الحزن ، لأنه لم يشكه إلى أحد قط. فهو بمعنى (فاعل).
تنبيه :
دلت الآية على جواز التأسف والبكاء عند المصيبة.
قال الزمخشري : فإن قلت : كيف جاز لنبيّ الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟
قلت : الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن ، ولذلك حمد صبره ، وأن يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يحسن.
ولقد بكى رسول الله صلىاللهعليهوسلم على ولده إبراهيم وقال (١) : إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون.
وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب.
وعن الحسن أنه بكى على ولد ، أو غيره فقيل له في ذلك؟ فقال : ما رأيت الله جعل الحزن عارا على يعقوب.
__________________
(١) أخرجه البخاريّ في : الجنائز ، ٤٤ ـ باب قول النبيّ صلىاللهعليهوسلم (إنّا بك لمحزونون) ، حديث ٦٩٢ ، عن أنس. وأخرجه مسلم في : الفضائل ، ١٥ ـ باب رحمته صلىاللهعليهوسلم الصبيان والعيال ، وتواضعه وفضل ذلك ، حديث رقم ٦٢.
![تفسير القاسمي [ ج ٦ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3917_tafsir-alqasimi-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
