قال صلىاللهعليهوسلم (١) في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات : إنهما يلتمسان البصر ، ويسقطان الحبل. ومنها ما يؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به ، لشدة خبث تلك النفس ، وكيفيتها الخبيثة الموثرة. والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية ، كما يظنه من قل علمه ، ومعرفته بالطبيعة والشريعة ، بل التأثير يكون تارة بالاتصال ، وتارة بالمقابلة ، وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يوثر فيه ، وتارة بالأدعية والرقي والتعوذات ، وتارة بالوهم والتخيل. ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية ، بل قد يكون أعمى فيوصف له الشيء ، فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره. وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية ، وقد قال الله تعالى لنبيه : (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ) [القلم : ٥١] ، وقال : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ، مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ، وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ) [الفلق : ١ ـ ٥] ، فكل عائن حاسد ، وليس كل حاسد عائنا. فلما كان الحاسد أعم من العائن ، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن ، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعين نحو المحسود والمعين ، تصيبه العين تارة ، وتخطئه تارة ، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه ، ولا بد. وإن صادفته حذرا ، شاكي السلاح ، لا منفذ فيه للسهام ، لم تؤثر فيه ، وربما ردت السهام على صاحبها. وهذا بمثابة الرمي الحسيّ سواء ، فهذا من النفوس والأرواح ، وهذا من الأجسام والأشباح. وأصله من إعجاب العائن بالشيء ، ثم يتبعه كيفية نفسه الخبيثة ، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين. وقد يعين الرجل نفسه ، وقد يعين بغير إرادته ، بل بطبعه. وهذا أرادأ ما يكون من النوع الإنساني. وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء : إن من عرف بذلك ، حبسه الإمام ، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت. وهذا هو الصواب قطعا ، انتهى. كلام ابن القيّم ، عليه الرحمة.
وقال الرازي : ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثره بحسب الكيفيات المحسوسة ، أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا ، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق ، والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض ، إذا كان موضوعا على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه ، ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان عن المشي عليه. وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه ، فعلمنا أن التأثرات النفسانية موجودة.
__________________
(١) أخرجه أبو داود في : الأدب ، ١٦٢ ـ باب في قتل الحيات ، حديث ٥٢٥٢ ، عن ابن عمر.
![تفسير القاسمي [ ج ٦ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3917_tafsir-alqasimi-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
