القول في تأويل قوله تعالى :
(وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٢٧)
(وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) لأنه أمارة إدباره عنها بسبب أنها تبعته ، واجتذبت ثوبه إليها فقدّته.
ومن الطائف ما قيل : إن هذا الشاهد أراد ألا يكون هو الفاضح لها ، ووثق بأن انقطاع قميصه إنما كان من دبر ، فنصبه أمارة لصدقه وكذبها. ثم ذكر القسم الآخر ، وهو قدّه من قبل ، على علم بأنه لم ينقدّ من قبل حتى ينفي عن نفسه التهمة في الشهادة ، وقصد الفضيحة ، وينصفهما جميعا ، فيذكر أمارة على صدقها المعلوم نفيه ، كما ذكره أمارة على صدقه المعلوم وجوده. ومن ثمّ قدم أمارة على صدقها ، على أمارة صدقه في الذكر ، إزاحة للتهمة ، ووثوقا بأن الأمارة الثانية هي الواقعة ، فلا يضره تأخيرها. وهذه اللطيفة بعينها ـ والله أعلم ـ هي التي راعاها مؤمن آل فرعون في قوله : (وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) [غافر : ٢٨]. فقدم قسم الكذب على قسم الصدق ، إزاحة للتهمة التي خشي أن تتطرق إليه في حق موسى عليهالسلام ، ووثوقا بأن القسم الثاني وهو صدقه ، هو الواقع ، فلا يضره تأخيره في الذكر لهذه الفائدة ومن ثم قال : (بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) ولم يقل : كل ما يعدكم ، تعريضا بأنه معهم عليه ، وأنه حريص على أن يبخسه حقه وينحو هذا النحو تأخير يوسف عليهالسلام ، لكشف وعاء أخيه الآتي ذكره ، لأنه لو بدأ به لفطنوا أنه هو الذي أمر بوضع السقاية فيه ـ والله أعلم ـ
القول في تأويل قوله تعالى :
(فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) (٢٨)
(فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) يعني بالكيد : الحيلة والمكر. وإنما استعظم كيدهن ، لأنه ألطف وأعلق بالقلب ، وأشد تأثيرا في النفس ، ولهن فيه نيقة ورفق ، وبذلك يغلبن الرجال.
تنبيه :
قال ابن الفرس : يحتج بالآية من يرى الحكم بالأمارات والعلامات ، فيما لا تحضره البينات ، كاللّقطة والسرقة والوديعة ومعاقد الحيطان والسقوف وشبهها.
وقوله تعالى :
![تفسير القاسمي [ ج ٦ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3917_tafsir-alqasimi-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
