فلان لقرئه ولقارئه ، أي : لوقته الذي يرجع فيه ، وهذا قارئ الرياح ، أي : وقت هبوبها ، قال مالك بن الحارث الهذلي :
|
كرهت العقر عقر بني سليل |
|
إذا هبّت لقارئها الرياح |
أي : لوقتها ، والقرء يصلح للوجهين لأن الحيض يأتي لوقت ، والطهر مثله ، وقيل : هو من القراء ، وهو الحبس والجمع ، تقول العرب : ما قرأت الناقة سلا قط ، أي : لم تضم (١) رحمها على ولد ، ومنه قريت الماء في المقراة وهي الحوض ، أي : جمعته بترك همزها ، فالقرء هاهنا احتباس الدم واجتماعه ، فعلى هذا يكون الترجيح فيه للطهر ، لأنه يحبس الدم ويجمعه ، والحيض يرخيه ويرسله ، وجملة الحكم في العدد أن المرأة إذا كانت حاملا فعدّتها بوضع الحمل سواء وقعت الفرقة بينها وبين الزوج بالطلاق أو بالموت ؛ لقوله تعالى : (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) [الطلاق : ٤] ، فإن لم تكن حاملا نظر إن وقعت الفرقة بينهما بموت الزوج ، فعليها أن تعتدّ بأربعة أشهر وعشرا ، سواء مات الزوج قبل الدخول أو بعده وسواء كانت المرأة ممن تحيض أو لا تحيض ؛ لقول الله عزوجل : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة : ٢٣٤] ، وإن وقعت الفرقة بينهما بالطلاق في الحياة نظر [فإن كانت] قبل الدخول بها فلا عدّة عليها ؛ لقول الله تعالى : (إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها) [الأحزاب : ٤٩] ، وإن كان بعد الدخول [بها] نظر إن كانت المرأة لم تحض قط أو بلغت في الكبر سنّ الآيسات فعدّتها ثلاثة أشهر ؛ لقول الله تعالى : (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) [الطلاق : ٤] ، وإن كانت ممن تحيض فعدّتها ثلاثة أقرؤ ؛ لقوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) ، وقوله : (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ) لفظه خبر ومعناه أمر ، وعدّة الأمة إن كانت حاملا بوضع الحمل كالحرة ، وإن كانت حائلا ففي الوفاة عدّتها شهران وخمس أيام (٢) ، وفي الطلاق إن كانت [ممن] تحيض فعدّتها قرءان ، وإن كانت ممن لا تحيض فشهر ونصف ، وقيل : شهران كالقرءين في حق من تحيض ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ينكح العبد اثنتين ويطلق تطليقتين ، وتعتدّ الأمة بحيضتين فإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا ، قوله عزوجل : (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ) ، قال عكرمة : يعني الحيض وهو أن يريد الرجل مراجعتها ، فتقول : قد حضت الثلاثة ، وقال ابن عباس وقتادة : يعني الحمل ، ومعنى الآية : لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض والحمل لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد. (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ، معناه : أن هذا من فعل المؤمنات ، وإن كانت المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء ؛ كما تقول : أدّ حقي إن كنت مؤمنا ، يعني : أداء الحقوق من فعل المؤمنين ، (وَبُعُولَتُهُنَ) ، يعني : أزواجهنّ جمع بعل ، كالفحول جمع فحل ، سمّي الزوج بعلا لقيامه بأمر (٣) زوجته ، وأصل البعل السيد والمالك ، (أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ) : أولى برجعتهن إليهم ، (فِي ذلِكَ) ، أي : في حال العدة ، (إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً) ، أي : إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار ، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية [كان](٤) الرجل يطلق امرأته ، فإذا قرب انقضاء عدتها راجعها ، ثم تركها مدة ثم طلقها ، يقصد بذلك تطويل العدّة عليها ، (وَلَهُنَ) ، أي : للنساء على الأزواج (مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَ) للأزواج (بِالْمَعْرُوفِ) ، قال ابن عباس في
__________________
(١) في المخطوط «يضم».
(٢) في المطبوع «ليال».
(٣) في المطبوع «بأمور».
(٤) زيادة من المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ١ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3894_tafsir-albaghawi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
