والسدي : هو ما الاستفهام معناه : ما الذي صبّرهم (١)؟ وأي شيء صبّرهم على النار حتى تركوا الحق واتّبعوا الباطل؟ قال الحسن وقتادة : والله ما لهم عليها من صبر ، ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار؟ وقال الكسائي : فما أصبرهم على [عمل](٢) أهل النار ، أي : ما أدومهم عليه.
(ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧))
(ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ) ، يعني : ذلك العذاب بأن الله نزّل الكتاب بالحق فأنكروه وكفروا به ، وحينئذ يكون (ذلِكَ) في محل الرفع ، وقال بعضهم : محله نصب ، معناه : فعلنا ذلك بهم ، (بِأَنَّ اللهَ) ، أي : لأن الله نزّل الكتاب بالحق ، فاختلفوا فيه ، وقيل : معناه ذلك أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله ، من أجل أن الله نزّل الكتاب بالحق ، وهو قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) [البقرة : ٦. ٧] ، (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ) : فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ، (لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) ، أي : في خلاف وضلال بعيد.
قوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ، قرأ حمزة وحفص : (لَيْسَ الْبِرَّ) بنصب الراء ، والباقون برفعها ، فمن رفعها جعل البرّ اسم ليس وخبره في قوله : (أَنْ تُوَلُّوا) ، تقديره : ليس البرّ توليتكم وجوهكم ، ومن نصب جعل (أَنْ تُوَلُّوا) في موضع الرفع على [أنه](٣) اسم ليس تقديره : توليتكم وجوهكم البرّ كله ؛ كقوله تعالى : (ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا) [الجاثية : ٢٥] ، والبرّ : كلّ عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنّة ، واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية ، فقال قوم (٤) : عنى بها اليهود والنصارى ، وذلك أن اليهود كانت تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس ، والنصارى قبل المشرق ، وزعم كل فريق منهم أن البرّ في [تلك الجهة](٥) ، فأخبر الله تعالى أن البرّ غير دينهم وعملهم ، ولكنه ما بيّنه في هذه الآية ، وعلى هذا القول قتادة ومقاتل بن حيان ، وقال الآخرون : المراد بها المؤمنون ، وذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نزول الفرائض إذا أتى بالشهادتين وصلّى الصلاة إلى أي جهة كانت ، ثم مات على ذلك وجبت له الجنّة ، فلما (٦) هاجر رسول الله صلىاللهعليهوسلم ونزلت الفرائض ، وحدّت (٧) الحدود وصرفت القبلة إلى الكعبة ، أنزل الله هذه الآية فقال : (لَيْسَ الْبِرَّ) ، أي : [كل البر](٨) أن تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا [على](٩) غير ذلك ، (وَلكِنَّ الْبِرَّ) ما ذكر في هذه الآية ، وعلى هذا القول ابن عباس ومجاهد وعطاء والضحاك ، (وَلكِنَّ الْبِرَّ) ، قرأ نافع وابن عامر (وَلكِنَ) ، خفيفة النون (الْبِرَّ) ، رفع ، وقرأ الباقون بتشديد النون ونصب البرّ ، قوله تعالى : (مَنْ آمَنَ بِاللهِ) ، جعل (مَنْ) وهي اسم خبر للبرّ هو فعل ، ولا
__________________
(١) زيد في المطبوع «على النار».
(٢) سقط من المطبوع وحده.
(٣) سقط من المطبوع.
(٤) في المخطوط «بعضهم».
(٥) في المطبوع «ذلك».
(٦) في المطبوع «ولما».
(٧) في المطبوع «وحددت».
(٨) في المطبوع «كله».
(٩) ليس في المخطوط.
![تفسير البغوي [ ج ١ ] تفسير البغوي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3894_tafsir-albaghawi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
