الجزيرة كانت قصيرة لا تدع مجالاً لمثل هذا الاحتمال ، ثم إنّ معلومات اليهود والمسيحيين الذين كانوا يسكنون الحجاز كانت على درجة من التفاهة وتسطير الخرافات بحيث لا يمكن ـ أصلاً ـ مقارنتها بما في القرآن ولا بتعاليم الرّسول صلىاللهعليهوآله وسنشرح هذا الموضوع ـ إن شاء الله ـ عند تفسير الآية (١٠٣) من سورة النحل.
ثم تبين الآية واجب رسول الله صلىاللهعليهوآله في قبال معاندة المعارضين وحقدهم وإتهاماتهم ، فتقول : (اتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ). ومن واجبك أيضاً الإعراض عمّا يوجّهه إليك المشركون من إفتراءات : (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ).
هذا ضرب من التسلية والتقوية المعنوية للنبي صلىاللهعليهوآله لكيلا ينتاب عزمه الراسخ الصلب أيّ ضعف في مواجهة أمثال هؤلاء المعارضين.
في الآية الأخيرة يكرر القرآن فيها ـ مرّة اخرى ـ القول بأنّ الله لا يريد أن يكره المشركين ويجبرهم على الإسلام ، إذ لو أراد ذلك لما كان هناك أيّ مشرك : (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا). كما يؤكد القول لرسول الله صلىاللهعليهوآله : إنّك لست مسؤولاً عن أعمال هؤلاء ، لأنّك لم تبعث لإكراههم على الإيمان : (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا). ولا من واجبك حملهم على عمل الخير : (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ).
«الحفيظ» : هو من يراقب أمراً أو شخصاً ليحفظه من أن يصاب بضرر ؛ أمّا «الوكيل» : فهو من يسعى لإحراز النفع لموكّله.
إنّ الفكرة التي تسود هذه الآيات تستلفت النظر ، فهي تقول : إنّ الإيمان بالله وبتعاليم الإسلام لا يكون عن طريق الإكراه والإجبار ، بل يكون عن طريق المنطق والاستدلال والنفوذ إلى أفكار الناس وأرواحهم ، فالإيمان بالإكراه لا قيمة له ، لأنّ المهم هو أن يدرك الناس الحقيقة فيتقبّلوها بإرادتهم واختيارهم.
(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (١٠٨)
تناولت الآيات السابقة موضوع قيام تعاليم الإسلام على أساس المنطق ، وقيام دعوته على أساس الاستدلال والإقناع لا الإكراه ، وهذه الآية تواصل نفس التوجيهات فتنهى عن سبّ ما يعبد الآخرون ـ أي المشركون ـ لأنّ هذا سوف يدعوهم إلى أن يعمدوا هم أيضاً ـ ظلماً وعدواناً وجهلاً ـ إلى توجيه السب إلى ذات الله المقدسة : (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
