(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (١٠٧)
ليس من واجبك الإكراه : تعتبر هذه الآيات نتيجة للآيات السابقة ، ففي البداية تقول :(قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ).
«بصائر» : جمع «بصيرة» من «البصر» بمعنى الرؤية ، ولكنها في الغالب رؤية ذهنية وعقلانية ، وهذه الكلمة في هذه الآيات تعني الدليل والشاهد ، وتشمل جميع الدلائل التي وردت في الآيات السابقة ، بل إنّها تشمل حتى القرآن نفسه.
ثم لكي تبين أنّ هذه الأدلة والبراهين كافية لإظهار الحقيقة لأنّها منطقية ، تقول : (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا). أي إنّ إبصارهم يعود بالنفع عليهم وعماهم يسبب الإضرار بهم.
وفي نهاية الآية تقول ، على لسان النبي صلىاللهعليهوآله : (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ).
الآية التالية تؤكد أنّ إتخاذ القرار النهائي في إختيار طريق الحق أو الباطل إنّما يرجع للناس أنفسهم ، وتقول : (وَكَذلِكَ نُصَرّفُ الْأَيَاتِ) (١). أي كذلك نبين الأدلة والبراهين بصور وأشكال متنوعة.
لكن جمعاً عارضوا ، وقالوا ـ دونما دليل وبرهان ـ إنّك تلقيت هذا من الآخرين (أي اليهود والنصارى) : (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ).
إلّا أنّ جمعاً آخر ممن لهم الإستعداد لتقبل الحق لما لهم من بصيرة وفهم وعلم ، يرون وجه الحقيقة ويقبلونها : (وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).
إنّ إتهام رسول الله صلىاللهعليهوآله بأنّه إقتبس تعاليمه من اليهود والنصارى قد تكرر من جانب المشركين ، وما يزال المعارضون المعاندون يتابعونهم في ذلك ، مع أنّ حياة الجزيرة العربية لم تكن فيها مدرسة ولا درس ليتعلّم منها رسول الله صلىاللهعليهوآله شيئاً كما أنّ رحلاته إلى خارج
__________________
(١) «نصرف» : من «التصرف» وهو بمعنى ردّ الشيء من حالة أو إبداله بغيره ، أي إنّ الآيات تنزل في صوروأشكال متنوعة ولمختلف المستويات العقلية والعقائدية والاجتماعية.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
