والخيالات لكنّك قد ضللت منذ مدّة طويلة ، ألم تقل لأولادك قبل فترة اذهبوا إلى مصر وتحسّسوا عن أحوال يوسف!
يظهر من هذه الآية الشريفة أنّ المقصود ب (الضلال) ليس الانحراف في العقيدة ، بل الانحراف في تشخيص حقيقة حال يوسف والقضايا المتعلّقة به.
وبعد عدّة أيام من الإنتظار ـ والتي لا يعلم إلّاالله كيف قضاها يعقوب ـ إرتفع صوت المنادي معلناً عن وصول قافلة كنعان من مصر ، لكن في هذه المرّة ـ وخلافاً للمرّات السابقة ـ دخل أولاد يعقوب إلى المدينة فرحين مستبشرين ، وتوجّهوا مسرعين إلى بيت أبيهم ، وقد سبقهم ال (بشير) الذي بشّر يعقوب بحياة يوسف وألقى قميص يوسف على وجهه.
أمّا يعقوب الذي أضعفت المصائب بصره ولم يكن قادراً على رؤية القميص فبمجرد أن أحسّ بالرائحة المنبعثة من القميص ، وأحسّ يعقوب بتغيّر حالته ، وفجأةً رأى النور في عينيه وأحسّ بأنّهما قد فتحتا ومرّة اخرى رأى جمال العالم ، والقرآن الكريم يصف لنا هذه الحالة بقوله : (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا).
هذه الحالة التي حصلت ليعقوب أسالت دموع الفرح من عيون الإخوة والأهل ، وعند ذاك خاطبهم بقوله : (أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنّى أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَاتَعْلَمُونَ).
هذه المعجزة الغريبة ، جعلت الأولاد يعودون إلى أنفسهم ويتساءلون عنها ويفكّرون في ماضيهم الأسود المليء بالأخطاء والذنوب ، وما اعتورهم من الحسد وغيره من الصفات الرذيلة البعيدة عن الإنسانية ، لكن ما أجمل التوبة والعودة إلى طريق الصواب حينما ينكشف للإنسان خطأ المسيرة التي سار فيها ... وما أحلى تلك اللحظات التي يحاول المذنب أن يطلب العفو ممّن جنى عليه ، ليطهّر به نفسه ويبعدها عن جادة الخطأ والانحراف ، وهذا ما قام به الإخوة حيث وقعوا نادمين على يد أبيهم يقبّلونها ويطلبون منه العفو والاستغفار (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِينَ).
أمّا يعقوب هذا الرجل العظيم الذي كانت روحه أوسع من المحيطات ، فقد أجابهم دون أن يلومهم على تلك الأفعال التي اقترفوها في حقّه وحقّ أخيهم ... أجابهم بقوله : (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى) وأملي معقود بأن يغفر الله سبحانه وتعالى ذنوبكم (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الْرَّحِيمُ).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
