عن جريمتهم أم لا؟ فابتدأوا مستفسرين بقولهم : (قَالُوا تَاللهِ لَقَدْءَاثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا) (١). أي : إنّ الله سبحانه وتعالى قد فضّلك علينا بالعلم والحلم والحكومة (وَإِن كُنَّا لَخَاطِينَ).
أمّا يوسف الذي كانت نفسه تأبى أن يرى إخوته في حال الخجل والندامة ـ خاصه في هذه اللحظات الحساسة وبعد إنتصاره عليهم ، فخاطبهم بقوله : (قَالَ لَاتَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) (٢). أي : إنّ العتاب والعقاب مرفوع عنكم اليوم ، اطمئنوا وكونوا مرتاحي الضمير ولا تجعلوا للآلام والمصائب السابقة منفذاً إلى نفوسكم ، ثم لكي يبيّن لهم أنّه ليس وحده الذي أسقط حقّه وعفا عنهم ، بل إنّ الله سبحانه وتعالى أيضاً عفا عنهم حينما أظهروا الندامة والخجل قال لهم : (يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). أي : إنّ الله سبحانه وتعالى قد قبل توبتكم وعفا عنكم لأنّه أرحم الراحمين.
وهذا دليل على علو قدر يوسف وغاية فضله حيث إنّه لم يعف عن سيّئات إخوته فحسب ، بل طمأنهم على أنّ الله سبحانه وتعالى رحيم غفور وأنّه تعالى سوف يعفو عن سيئاتهم ، وإستدلّ لهم على ذلك بأنّ الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين.
وهنا تذكّر الإخوة مصيبة اخرى قد ألمّت بعائلتهم والشاهد الحي على ما إقترفوه في حقّ أخيهم ، ألا وهو أبوهم حيث فقد الشيخ الكبير بصره حزناً وفراقاً على يوسف ، أمّا يوسف فإنّه قد وجد لهذه المشكلة حلاً حيث خاطبهم بقوله : (اذْهَبُوا بِقَمِيصِى هذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا). ثمّ طلب منهم أن يجمعوا العائلة ويأتوا بهم جميعاً (وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ).
ورد في بعض الروايات أنّ يوسف قال : إنّ الذي يحمل قميصي المشافي إلى أبي لابدّ وأن يكون هو نفسه الذي حمل قميصي الملطّخ بالدماء إليه ، فأعطى ل (يهودا) قميصه بعد أن اعترف له أنّه هو الذي حمل قميصه الملطّخ بالدماء إلى أبيه وأخبره بأنّ الذئب قد أكل يوسف.
إنّ الآيات السابقة تعلّمنا درساً من دروس الأخلاق الإسلامية ، وهو أنّه بعد الإنتصار
__________________
(١) «آثرك» : أصله من «الإيثار» وفي الأصل بمعنى البحث عن أثر الشيء ، وبما أنّه يقال للفضل والخير : أثر ، فقد استعملت هذه الكلمة للدلالة على الفضيلة والعلو.
(٢) «تثريب» : أصله من مادّة «ثرب ٩ وهو شحمة رقيقة تغطّي المعدة والأمعاء ، والتثريب بمعنى رفع هذاالغطاء ، ثمّ بمعنى العتاب والملامة فكأنّ المعاقب قد رفع بعتابه غطاء الذنب عن وجه المذنب.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
