وأخيراً جمع الاخوة متاعهم وتوجّهوا صوب مصر ، وهذه هي المرة الثالثه التي يدخلون فيها أرض مصر ، هذه الأرض التي سبّبت لهم المشاكل وجرّت عليهم الويلات.
لكن في هذه السفرة ـ خلافاً للسفرتين السابقتين ـ كانوا يشعرون بشيء من الخجل يعذّب ضمائرهم فإنّ سمعتهم عند أهل مصر أو العزيز ملوّثة للوصمة التي لصقت بهم في المرة السابقة ، ولعلّهم كانوا يرونهم بمثابة (مجموعة من لصوص كنعان) الذين جاؤوا للسرقة. إلّا أنّ الذي كان يبعث في نفوسهم الأمل ويعطيهم القدرة على تحمل الصعاب هو وصية أبيهم (لَا تَايَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ).
وأخيراً استطاعوا أن يقابلوا يوسف ، فخاطبوه ـ وهم في غاية الشدّة والألم ـ بقولهم : (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ). أي : إنّ القحط والغلاء والشدّة قد ألمّت بنا وبعائلتنا ولم نحمل معنا من كنعان إلّامتاعاً رخيصاً (وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ) (١). لا قيمة لها ولكن ـ في كل الأحوال ـ نعتمد على ما تبذل لنا من كرمك ونأمل في معروفك (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) بمنّك الكريم وصدقاتك الوافرة (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) ولا تطلب منّا الأجر ، بل اطلبه من الله سبحانه وتعالى حيث : (إِنَّ اللهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ).
والطريف أنّ إخوة يوسف لم ينفذوا وصيّة أبيهم في البحث عن إخوتهم أوّلاً ، بل حاولوا الحصول على الطعام ، ولأجل ذلك قابلوا العزيز وطلبوا منه المؤن والحبوب ، ولعل السبب في ذلك ضعف أملهم في العثور على يوسف ، أو لعلّهم أرادوا أن يظهروا أنفسهم أمام العزيز والمصريين وكأنّهم اناس جاؤوا لشراء الطعام والحبوب فقط ، ثمّ يطرحون مشكلتهم أمام العزيز ويطلبون منه المساعدة ، فعند ذاك يكون وقع الطلب أقوى واحتمال تنفيذه أكثر.
ونقرأ في روايات وردت في هذا المقام ، أنّ الإخوة كانوا يحملون معهم رسالة من أبيهم إلى عزيز مصر ، حيث مدح يعقوب في تلك الرسالة عزيز مصر وأكبر عدالته وصلاحه وشكره على ما بذله له ولعائلته من الطعام والحبوب ، ثم عرّف نفسه والأنبياء من أهل بيته وأخبره برزاياه وما تحمله من المصائب والمصاعب من فقده أعزّ أولاده وأحبّهم إلى نفسه يوسف وأخيه بنيامين ، وما أصابهم من القحط والغلاء ، وفي ختام الرسالة طلب من العزيز أن يمنّ عليه ويطلق سراح ولده بنيامين ، وذكّره أنّ بنيامين سليل بيت النبوة والرسالة وأنّه
__________________
(١) «البضاعة» : أصلها «البضع» على وزن جزء ، وهي بمعنى القطعة من اللحم المقطوعة من الجسم ، كما يطلق على جزء من المال الذي يقتطع منه ثمناً لشيء. «مزجاة» : من «الإزجاء» بمعنى الدفع ، وبما أنّ الشيء التافه والقليل الثمن يدفعه الآخذ عن نفسه ، اطلق عليه (مزجاة).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
