ونحن نختلف عنهما في النسب.
وحينما سمع يوسف كلامهم تأثر بشدة لكنه كتم ما في نفسه : (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) لأنّه كان عالماً بأنّهم قد افتروا عليه واتّهموه كذباً ، إلّاأنّه لم يرد عليهم وقال لهم باختصار وإقتضاب : (قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا). أي : إنّكم أحقر وأشرّ مكاناً ممّن تتّهمونه وتنسبون إليه السرقة ، أو أنتم أحقر الناس عندي.
ثم أضاف يوسف : إنّ الله سبحانه وتعالى أعلم بما تنسبون (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ).
وعندما لاحظ الإخوة أنفسهم محاصرين بين أمرين ، فمن جهة ـ وطبقاً للسنّة والدستور المتعيّن عندهم ـ لابدّ وأن يبقى أخوهم الصغير بنيامين عند عزيز مصر ويقوم بخدمته كسائر عبيده ، ومن جهة اخرى فإنّهم قد أعطوا لأبيهم المواثيق والأيمان المغلّظة على أن يحافظوا على أخيهم بنيامين ويعودوا به سالماً إليه ، حينما وقعوا في هذه الحالة توجّهوا إلى يوسف الذي كان مجهول الهوية عندهم ، مخاطبين إيّاه (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ) لكي نرجعه إلى أبيه ونكون قد وفينا بالوعد الذي قطعناه له ، فإنّه شيخ كبير ولا طاقة له بفراق ولده العزيز ، فنرجو منك أن تترحّم علينا وعلى أبيه ف (إِنَّا نَرَيكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
أمّا يوسف فإنّه قد واجه هذا الطلب بالإنكار الشديد و (قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ) فإنّ العدل والإنصاف يقتضي أن يكون المعاقب هو السارق ، وليس بريئاً رضي بأن يتحمل أوزار عمل غيره ، ولو فعلنا لأمسينا من الظالمين (إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ). والطريف أنّ يوسف لم ينسب لأخيه السرقة وإنّما عبّر عنه ب (مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ) وهذا برهان على السلوك الحسن والسيرة المستقيمة التي كان ينتهجها يوسف في حياته.
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (٨٢)
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
