المنطق الواهي : والآن فَلنَر ما كان ردّ القوم اللجوجين إزاء نداء هذا المصلح السماوي «شعيب». فبما إنّهم كانوا يتصورون أنّ عبادة الأصنام من آثار سلفهم الصالح ، ودلالة على أصالة ثقافتهم ، وكانوا لا يرفعون اليد عن الغش في المعاملة وتحقيق الربح الوفير عن هذا الطريق قالوا : (يَا شُعَيْبُ أَصَلَوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُءَابَاؤُنَا). ونترك حريتنا في التصرف بأموالنا فلا نستطيع الاستفادة منها (أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشؤُا). إنّ هذا بعيد منك (إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ).
لقد كان قوم شعيب واقعين في مثل هذا الخطأ حيث كانوا يتصورون أنّه من الخطأ القول بتحديد التصرف بالأموال من قِبَل مالكيها ، في حين يجب أن تكون الامور المالية تحت ضوابط صحيحة ومحسوبة كما عرضها الأنبياء على الناس ، وإلّا فستجرّ الحرية المطلقة المجتمع نحو الانحراف والفساد.
وعلى كل حال هؤلاء الأغنياء فلعلهم كانوا يتصورون متساءلين : إنّ هذه الأذكار والأدعية ما عسى أن تؤثر في هذه الامور؟ على حين لو كان اولئك يفكرون جيداً لأدركوا هذا الأمر الواقعي وهو أنّ الصلاة توقظ في الإنسان الإحساس بالمسؤولية والتقوى ومخافة الله ومعرفة الحقوق ، وتذكره بالله وبمحكمة عدل الله ، ولذلك فهي تخلّصه من الشرك وعبادة الأصنام والتقليد الأعمى للسلف الجاهل وبخس الناس أشياءهم ، وعن أنواع الغش والخداع ... الخ.
ولكن شعيباً ردّ على من اتّهمه بالسفه وقلة العقل بكلام متين و (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيّنَةٍ مِّن رَّبّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا).
ثمّ يضيف هذا النبي العظيم قائلاً : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهكُمْ عَنْهُ). فلا تتصوروا أنّني أقول لكم لا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تنقصوا المكيال ، وأنا أبخس الناس أو أنقص المكيال ، أو أقول لكم لا تعبدوا الأوثان وأنا أفعل ذلك كله ، كلا فإنّني لا أفعل شيئاً من ذلك أبداً.
ويستفاد من هذه الجملة أنّهم كانوا يتهمون شعيباً بأنّه كان يريد الربح لنفسه ، ولهذا فهو ينفي هذا الموضوع صراحةً ويقول تعقيباً على ما سبق (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلحَ مَا اسْتَطَعْتُ).
وهذا هو هدف الأنبياء جميعاً ، حيث كانوا يسعون إلى إصلاح العقيدة ، وإصلاح الأخلاق ، وإصلاح العمل ، وإصلاح العلائق والروابط الاجتماعية وأنظمتها (وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
