هؤلاء الرُسل «الملائكة» فأخذ يجادلهم ويتحدث معهم في أمرهم (فَلَمَّا ذَهَبَ عَن إِبْرهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ) (١).
وهنا يمكن أن ينقدح هذا السؤال ، وهو : لِمَ تباحث إبراهيم عليهالسلام مع رسل الله وجادلهم في قوم آثمين ظالمين ـ كقوم لوط ـ وقد امروا بتدميرهم ، في حين أنّ هذا العمل لا يتناسب مع نبيّ ، خاصة إذا كان إبراهيم عليهالسلام في عظمته وشأنه؟
لهذا فإنّ القرآن يعقّب مباشرة في الآية عن شفقة إبراهيم وتوكله على الله فيقول : (إِنَّ إِبْرهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) (٢).
هذه الاصاف الثلاث المجملة جواب على السؤال المشار إليه آنفاً. وتوضيح ذلك : إنّ هذه الصفات المذكورة لإبراهيم تشير إلى أنّ مجادلته كانت ممدوحة ، وذلك لأنّ إبراهيم لم يتّضح له أنّ أمر العذاب صادر من قبل الله بصورة قطعية ، ويحتمل أنّهم سيرتدون عن غيهم ويتّعظون ، ومن هنا فما زال هناك مجال للشفاعة لهم ....
وتقول الآية التالية : إنّ الرسل قالوا لإبراهيم ـ مباشرةً ـ أن أعرض عن اقتراحك لأنّ أمر ربّك قد تحقق والعذاب نازل لا محالة. (يَا إِبْرهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ).
والتعبير ب «ربّك» لا يدل على أنّ هذا العذاب خال من الطابع الانتقامي فحسب ، بل يدل أيضاً على أنّه علامة لتربية العباد وإصلاح المجتمع الإنساني.
(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) (٨٠)
__________________
(١) «روع» : على وزن «نوع» معناها «الخوف والوحشة» وكلمة «روع» على وزن «نوح» معناها «الروح» أو قسم منها الذى هو محل الخوف ومركزه ، لمزيد الإيضاح تراجع المعاجم اللغوية.
(٢) «الحليم» : مشتق من «الحلم» وهو : الأناة والصبر فى سبيل الوصل إلى هدف مقدس ، والأواه فى الأصل : كثير التحسر والآه سواء من الخوف من المسؤولية التى يحملها أو من المصائب ، والمنيب من الإنابة أى الرجوع.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
