وفي خاتمة الآية يذكّر تلك الجماعة الأنانيّة بأن يتذكروا نعم الله لتستيقظ فيهم روح الشكر فيخضعوا لأوامره ، علّهم يفلحون (فَاذْكُرُواءَالَاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
ولكن في مقابل جميع المواعظ والإرشادات المنطقية ، والتذكير بنعم الله ومواهبه ، انبرت تلك الثلة من الناس الذين كانوا يرون مكاسبهم المادية في خطر ، وقبول دعوة النبي تصدّهم عن التمادي في أهوائهم وشهواتهم ، انبرت إلى المعارضة ، وقالوا بصراحة ، : إنّك جئت تدعونا إلى عبادة الله وحده وترك ما كان أسلافنا يعبدون دهراً طويلاً ، كلّا ، لا يمكن هذا بحال (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُءَابَاؤُنَا).
وفي النهاية ، ولأجل أن يقطعوا أمل هود فيهم تماماً ، ويقولوا كلمتهم الأخيرة قالوا : إذا كان حقاً وواقعاً ما تنذرنا به من العذاب ، فلتبادر به ، أي إنّنا لا نخشى تهديداتك أبداً (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).
وعندما بلغ الحوار إلى هذه النقطة ، وأطلق اولئك المتعنتون كلمتهم الأخيرة الكاشفة عن رفضهم الكامل لدعوة هود ، وأيس هود ـ هو الآخر ـ من هدايتهم تماماً ، قال : إذن ما دام الأمر هكذا فسيحلّ عليكم عذاب ربّكم (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ).
يعني أنّكم قد غرقتم في دوّامة الانحراف والفساد إلى درجة أنّ روحكم قد دفنت تحت اوزار كثيفة من النجاسات ، وبذلك استوجبتم غضب الله ، وشملكم سخطه.
ثم لأجل أن لا يبقى منطق عبادة الاوثان من دون ردّ أضاف قائلاً : (أَتُجَادِلُونَنِى فِى أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ). فهذه الاصنام التي صنعتموها انتم وآباؤكم ليس لها من الالوهية الّا اسم فارغ وضعها أسلافكم كذباً وزوراً ، ثم وجئتم تجادلونني في عبادتها في حين لم ينزل بذلك أي دليل من جانب الله.
ثم قال : فإذا كان الأمر هكذا فلننتظر جميعاً ، انتظروا أنتم أن تنفعكم أصنامكم ومعبوداتكم وتنصركم ، وأنتظر أنا أن يحلّ بكم غضب الله وعذابه الأليم جزاء تعنتكم ، وسيكشف المستقبل أي واحد من هذين الإنتظارين هو الأقرب إلى الحقيقة والواقع (فَانتَظِرُوا إِنّى مَعَكُم مّنَ الْمُنتَظِرِينَ).
وفي نهاية الآية بيّن القرآن مصير هؤلاء القوم المتعنتين في عبارة قصيرة موجزة : (فَأَنجَيْنهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بَايَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
