أشخاص آخرين من الأنبياء الإلهيين مثل نوح عليهالسلام (سورة الشعراء ، الآية ١٠٦) وصالح (سورة الشعراء ، الآية ١٤٢) ولوط (سورة الشعراء ، الآية ١٦١) وشعيب (سورة الأعراف ، الآية ٨٥) إنّما هو لأجل أنّهم كانوا يتعاملون مع قومهم في منتهى الرحمة ، والمحبة مثل أخ حميم ، ولا يألون جهداً في إرشادهم وهدايتهم ودعوتهم إلى الخير والصلاح.
ثم يذكر تعالى أنّ هود شرع في دعوته في مسألة التوحيد ومكافحة الشرك والوثنية : (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مّنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أفَلَا تَتَّقُونَ).
ولكن هذه الجماعة الأنانية المستكبرة ، وبخاصة أغنياؤها المغرورون المعجبون بأنفسهم ، والذين يعبّر عنهم القرآن بلفظة «الملأ» باعتبار أنّ ظاهرهم يملأ العيون ، قالوا لهود نفس ما قاله قوم نوح لنوح عليهالسلام : (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَيكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
ولكن هوداً ـ وهو يتحلى بالوقار والمتانة التي يتحلى بها الأنبياء والهداة الصادقون الطاهرون ـ من دون أن ينتابه غضب ، أو تعتريه حالة يأس (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلكِنّى رَسُولٌ مِّن رَّبّ الْعَالَمِينَ).
ثم إنّ هوداً أضاف : إنّ مهمته هي إبلاغ رسالات الله إليهم ، وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم وخيرهم ، وانقاذهم من ورطة الشرك والفساد ، كل ذلك مع كامل الإخلاص والنصح والأمانة والصدق (أُبَلّغُكُمْ رِسلتِ رَبّى وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ).
ثم إنّ هوداً أشار ـ في معرض الردّ على من تعجب من أن يبعث الله بشراً رسولاً ـ إلى نفس مقولة نوح النبي لقومه : (أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ). أي هل تعجبون من أن يرسل الله رجلاً من البشر نبياً ، ليحذركم من مغبة أعمالكم ، وما ينتظركم من العقوبات في مستقبلكم؟
ثم إنّه إستثارة لعواطفهم الغافية ، وإثارة لروح الشكر في نفوسهم ، ذكر قسماً من النعم التي أنعم الله تعالى بها عليهم ، فقال : (وَاذْكُرُوا إِذ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) ، فقد ورثتم الأرض بكل ما فيها من خيرات عظيمة بعد أن هلك قوم نوح بالطوفان بسبب طغيانهم وبادوا.
ولم تكن هذه هي النعمة الوحيدة ، بل وهب لكم قوّة جسدية عظيمة (وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
