(وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي : أشركوا بمحبة الإنذار في وقت رؤيتهم عذاب الاحتجاب بآلهتهم (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ) أي : القدرة كلها لله ليس لآلهتهم شيء منها ، وشدّة عذاب الله بقرنهم بآلهتهم في نار الحرمان بالسلاسل النارية المستفاد من محبتهم إياها ، لكان ما لا يدخل تحت الوصف ولهذا المعنى حذف جواب لو (إِذْ تَبَرَّأَ) بدل من : إذ يرون العذاب ، أي : وقت رؤيتهم العذاب هو وقت تبرّئ المتبوعين من التابعين مع لزوم كلّ منهما الآخر بمقتضى المحبة التي كانت بينهم لتعذب كلّ منهم بالآخر وتقيده واحتجابه به عن كمالاته ولذاته وانقطاع الأسباب والوصل الموجبة للفوائد والتمتعات التي كانت بينهم في الدنيا من القرابة ، والرحم ، والألفة ، والعهد ، وسائر المواصلات الدنيوية الجالبة للنفع واللذة ، فإنها تنقطع كلها بانقطاع لوازمها وموجباتها دون المواصلات الخيرية والمحبّات الإلهية المبنية على المناسبة الروحية والتعارف الأزليّ ، فإنها تبقى ببقاء الروح أبدا وتزيد في الآخرة بعد رفع الحجب البدنية لاقتضائها محبة الله المفيدة في الآخرة ، كما قال تعالى : «وجبت محبتي للمتحابين فيّ». والواو في (وَرَأَوُا الْعَذابَ) واو الحال ، أي : تبرّؤا عنهم في حال رؤيتهم العذاب وتقطع الوصل بينهم ، يعني : حال ظهور شرّ المقارنة وتبعتها ، ونفاد خيرها وفائدتها ، كحال سفاح الكلاب مثلا (وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً) أي : ليت لنا كرّة (كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ) أي : تنقلب محباتهم وما يبتنى عليها من الأعمال حسرات عليهم ، وكذا يكون حال القوى الروحانية المصادقة للقوى النفسانية التابعة لها ، المسخرّة إياها في تحصيل لذاتها.
[١٦٨] (يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨))
(يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ) أي : تناولوا من اللذّات والتمتعات التي في الجهة السفلية من عالم النفس والبدن على وجه يحلّ ويطيب ، أي : على قانون العدالة بإذن الشرع واستصواب العقل بقدر الاحتياج والضرورة ، ولا تخطوا حدّ الاعتدال الذي به تطيب وتنفع إلى حدود الإسراف ، فإنها خطوات الشيطان. ولهذا قال تعالى : (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) (١) فإنه عدو لكم. بيّن العداوة يريد أن يهلككم ويبغضكم إلى ربكم بارتكاب الاسرافات المذمومة فإنه لا يحب المسرفين. واعلم أن العداوة في عالم النفس هي ظلّ الألفة في عالم القلب ، والاعتدال ظلها في عالم البدن ، والألفة ظلّ المحبة في عالم الروح وهي ظلّ الوحدة الحقيقية. فالاعتدال هو الظلّ الرابع للوحدة والشيطان يفرّ من ظلّ الحق ولا يطيقه
__________________
(١) سورة الإسراء ، الآية : ٢٧.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
