لِلنَّاسِ) في كتاب عقولهم المنوّرة بنور المتابعة المدركة لآثار أنوار القلوب والأرواح ببركة الصحبة (أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ) يردّهم ويطردهم (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) من الملأ الأعلى بخذلانهم وترك إمدادهم من عالم الأبد والنور ، ومن المستعدّين المشتاقين الذين كانوا قد استأنسوا بنور قلوبهم واستفاضوا منهم النور بقوّة صدقهم ، واستراحوا إلى صحبتهم وملازمتهم يتبرّكون بهم وبأنفاسهم عند استشراق لمعان أحوالهم بالهجران والانقطاع عن صحبتهم والصدّ والإعراض عنهم لفقدانهم ذلك واستشعارهم بتكدّر صفائهم (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) أي : رجعوا عن ذنوب أحوالهم وعلموا أن ذلك كان ابتلاء من الله (وَأَصْلَحُوا) أحوالهم بالإنابة والرياضة (وَبَيَّنُوا) أي : كشفوا وأظهروا بصدق المعاملة مع الله والإخلاص ما احتجب عنهم (فَأُولئِكَ) أتقبل توبتهم وألقي التوبة عليهم (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) حجبوا عن الدين أو الحق (وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) أي : بقوا على احتجابهم حتى زال استعدادهم وانطفأ نور فطرتهم بدين الحجاب ، وانقطعوا عن الأسباب التي يمكن بها رفع حجاب الموت (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي : استحقوا البعد والحرمان والطرد الكليّ عن الحق وعن عالم الملكوت وعن الفطرة الإنسانية المعبر عنه بالطمس.
[١٦٢ ـ ١٦٤] (خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤))
(خالِدِينَ فِيها) لطموس استعدادهم وانطفاء نور فطرتهم (لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ) لرسوخ هيئاتهم المعذّبة في جواهر نفوسهم (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) للزوم تلك الهيئات المظلمة إياهم (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) ومعبودكم الذي خصصتموه بالعبادة أيها الموحدون معبود واحد بالذات ، واحد مطلق لا شيء في الوجود غيره ، ولا موجود سواه فيعبد ، فكيف يمكنكم الشرك به وغيره العدم البحث فلا شرك إلا للجهل به. (الرَّحْمنُ) الشامل الرحمة لكلّ موجود (الرَّحِيمُ) الذي يخصّ رحمة هدايته بالمؤمنين الموحدين وهي أوّل آية نزلت في التوحيد بحسب الرتبة ، أي : أقدم توحيد من جهة الحق لا من جهتنا. فإنّ أول التوحيد من طرفنا توحيد الأفعال وهذا هو توحيد الذات ولما بعد هذا التوحيد عن مبالغ أفهام الناس تنزل إلى مقام توحيد الأفعال ليستدلّ به عليه فقال :
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) إلى آخره ، أي : أنّ في إيجاد سموات والأرواح
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
