(وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ) وفيه ما يرشدهم إلى رفع الحجاب ، ورؤية حق كل دين ومذهب ، وليس أهل ذلك الدين والمذهب حقهم بباطل لتقيّدهم بمعتقدهم ، فما الفرق بينهم وبين الذين لا علم لهم ولا كتاب ، كالمشركين ، فإنهم يقولون مثل قولهم بل هم أعذر ، إذ ليس عليهم إلا حجة العقل وهم بحجة العقل والشرع (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) بالحق في اختلافاتهم (يَوْمَ) قيام (الْقِيامَةِ) الكبرى وظهور الوحدة الذاتية عند خروج المهديّ عليهالسلام. وفي الحديث ما معناه : «إنّ الله يتجلى لعباده في صورة معتقداتهم فيعرفونه ، ثم يتحوّل عن صورته إلى صورة أخرى فينكرونه» ، وحينئذ يكونون كلهم ضالّين محجوبين إلا ما شاء الله وهو الموحد الذي لم يتقيد بصورة معتقده.
[١١٤] (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤))
(وَمَنْ أَظْلَمُ) أي : أنقص حقا وأبخس حظا (مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ) أي : مواضع سجود الله التي هي القلوب التي يعرف فيها فيسجد بالفناء الذاتيّ (أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) الخاص الذي هو الاسم الأعظم ، إذ لا يتجلى بهذا الاسم إلا في القلب ، وهو التجلي بالذات مع جميع الصفات أو اسمه المخصوص بكل واحد منها ، أي الكمال اللائق باستعداده المقتضى له. (وَسَعى فِي خَرابِها) بتكديرها بالتعصبات الباردة وغلبة واستيلاء التمنيات عليها ، ومنع أهلها المستعدّين عنها بالهرج والمرج وتهييج الفتن اللازمة لتجاذب قوى النفس ودواعي الشيطان والوهم (أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ) ويصلوا إليها ، أي : منكسرين لظهور تجلّي الحق فيها (لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ) أي : افتضاح وذلّة بظهور بطلان دينهم ومعتقدهم ، وفسخه بدين الحق وانقهارهم وتحسرهم ومغلوبيتهم. (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) هو الاحتجاب عن الحق بدينهم.
[١١٥] (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥))
(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ) أي : عالم النور والظهور الذي هو جنّة النصارى وقبلتهم بالحقيقة هو باطنه (وَالْمَغْرِبُ) أي : عالم الظلمة والاختفاء الذي هو جنّة اليهود وقبلتهم بالحقيقة هو ظاهره (فَأَيْنَما تُوَلُّوا) أي : أي جهة تتوجهوا من الظاهر والباطن (فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) أي : ذات الله المتجلية بجميع صفاته ، أو ولله الإشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم ، والغروب فيها بتستره واحتجابه بصورها وذواتها ، واختفائه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء. فأيّ جهة تتوجهوا حينئذ فثمّ وجهه لم يكن شيء إلا إيّاه وحده (إِنَّ اللهَ واسِعٌ) جميع الوجود شامل لجميع الجهات والوجودات (عَلِيمٌ) بكل العلوم والمعلومات.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
