[٨٤] (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤))
(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ) بهواكم إلى مقارّ النفس وصفاتها وميلكم إلى هواها وطباعها ، ومتاركتكم حياتكم الحقيقية ، وخواص أفعالكم لأجل تحصيل مآربها ولذاتها (وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي : ذواتكم. إذ يعبر بالنفس عن الذات (مِنْ دِيارِكُمْ) أي : مقارّكم الروحانية والروضات القدسية (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) بقبولكم لذلك (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) عليه باستعداداتكم الأوليّة وعقولكم الفطرية.
[٨٥ ـ ٨٦] (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦))
(ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ) الساقطون عن الفطرة ، المحتجبون عن نور الاستعداد الأصليّ (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) بغوايتكم ومتابعتكم للهوى (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ) أوطانهم القديمة الأصلية ، بإغوائهم وإضلالهم وتحريضهم على ارتكاب المعاصي واتباع الهوى (تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ) تتعاونون عليهم (بِالْإِثْمِ) بارتكاب الفواحش والمعاصي ليروكم فيتبعوكم فيها (وَالْعُدْوانِ) والاستطالة على الناس ليتعدّى إليهم ظلمكم ، وإلزامكم إياهم رذائل القوّتين البهيمية والسبعية وتحريضكم لهم عليها ، وتزيينكم لهم إياها كما هو عادة ملاحدة المسلمين من أهل الإباحة المدّعين للتوحيد. (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى) في قيد تبعات ارتكبوها وشين أفعالهم القبيحة ، أخذتكم الندامة وعيرتهم عقولهم وعقول أبناء جنسهم بما لحقهم من العار والشنار (تُفادُوهُمْ) بكلمات الحكمة والموعظة والنصيحة الدالة على أنّ اللذات المستعلية هي : العقلية والروحية وعاقبة اتباع الهوى والنفس والشيطان وخيمة ، ومشاركة البهائم والهوامّ في أفعالها مذمومة رديئة ، فيتيقظوا بها ويتخلصوا من قيد الهوى سويعة كما نشاهد من حال علوج مدّعي التوحيد والمعرفة والحكمة وأتباعهم في زماننا هذا.
(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ) أي : كتاب العقل والشرع قولا وإقرارا ، فتقرون به وتصدّقونه وهو أنّ اتباع الهوى والنفس مذموم ، موجب للوبال والهلاك والخسران (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) فعلا وعملا فلا تنتهون عما نهاكم عنه ، وهو إباحتهم واستحلالهم للمحرّمات والمنهيات (فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ) افتضاح وذلة (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) أي : حال
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
