وعروجها ، أذعنوا وصدّقوا. (وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ) في أوقات الغفلات ، منع بعضهم بعضا عن إلقاء ما فتح الله عليهم من مدركاتهم المحسوسة والمخيلة والموهومة ليركبوا منها الحجج ويحاجوهم بها في الحضرة الروحانية عند ربهم.
(أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ) عنكم من مدركاتهم (وَما يُعْلِنُونَ) فيطلعكم عليها وينصركم عليهم (وَمِنْهُمْ) أي : القوى الطبيعية الغير المدركة والحواس الظاهرة (لا يَعْلَمُونَ) كتاب المعاني المعقولة (إِلَّا أَمانِيَ) لذاتهم وشهواتهم وما يتيقنون خاتمة عاقبتها ومضرّتها في طريق الكمال ، بل يظنون نفعها وخيريتها.
[٨٠ ـ ٨٢] (وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢))
(وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) إلى آخر الآية. اعتقدوا أن زمان العقاب يساوي زمان مباشرة الذنب ، ولم يعلموا أنّ الذنب إذا كان معتقدا فاسدا ، ثابتا في النفس ، وهيئة راسخة فيها ، وصار ملكة كصورة ذاتية لها ، كان سببا لتخليد العذاب. وهو معنى قوله تعالى : (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) أي : استولت عليه واستوعبت كالسواد المستوعب للثوب. ولو لم يكن كذلك لما كانت الطاعة أيضا سبب خلود الثواب.
[٨٣] (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣))
(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) عاهدناهم بالتوحيد. ومقتضى التوحيد ملاحظة الحضرة الربوبية ومشاهدة تجلياتها في مظاهرها ، والقيام بحقها على حسب ظهور أوصافها. وأول من يظهر عليه صفات الربوبية وآثارها في الظاهر وعالم الشهادة هما الأبوان لمكان النسبة والتربية والعطوفية ، التي هي آثار الموجد الربّ الرحيم فيهما له. فالإحسان إليهما يجب أن يلي عبادة الله بحسب ظهوره في مظهريهما ، ثم ذوي القربى لظهور المواصلة والمرحمة الإلهية فيهم بالنسبة إليه ، ثم اليتامى لاختصاص ولايته وحفظه تعالى بهم فوق من عداهم إذ هو وليّ من لا وليّ له ، ثم المساكين لتوليته رعايتهم ورزقهم بنفسه بلا واسطة غيره ، ثم سائر الناس للمرحمة العامّة بينهم التي هي ظلّ الرحمانية. فالإحسان المأمور به في الآية على درجاته وتفاضله في مراتبه هو تخصيص العبادة بالله مع مشاهدة صفاته في مظاهرها ورعاية حقوق تجلياتها وأحكامها.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
