والزهّاد من المسلمين ، وهو المشار إليه بقوله : (وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) وأدنى أحوال حاله هو الهبوط من خشية الله ، أي : الانقياد لما أمر الله من الميل إلى المركز بالسلاسة. وبقي قلب لم يتأثر قطّ بالعلم ولم يتلين بالخوف آبيا للهدى ، متكبرا ، ممتلئا بالهوى ، متمرّدا ، فلا يوجد من الجواهر ما يشبهه لقبول جميعها ما أمر الله به ، فكيف بالحديد الذي يلين لما يراد منه؟ قال النبي عليهالسلام : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير ، أصاب أرضا فكانت طائفة منها طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها طائفة أجادب (١) أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء. فذلك مثل من فقه في الدين فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». فبين عليهالسلام القلوب الثلاثة الأخيرة ، والأول من الأربعة هو القلب المحمديّ. (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) تهديد للقاسية قلوبهم ، أي : الله مطلع فيحجبهم عن نوره ويتركهم في ظلماتهم ، والآيات التي تتلوها ظاهره.
وتأويل الأولى : (أَفَتَطْمَعُونَ) أن يوحدوا بتوحيد الصفات لأجل هدايتكم (وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) يقبلون صفات الله ثم يحرّفونها بنسبتها إلى أنفسهم (مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ) أي : علموا توحيد الصفات وما وجدوه بالعيان (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن تلك الصفات لله ، لكن نفوسهم ينتحلونها بالإشراك حالة ذهول العقل عن استيلائها على القلب لعدم كون توحيدهم ملكة وحالا ، بل علما. (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ) ، أي : ويل لمن بقيت منه بقايا صفات النفس وهو لا يشعر بها أو يشعر فيحتال أو لا يحتفل بها فيفعل ويقول بنفسه وصفاتها ، ويدّعي أنه من عند الله ليكتسب به حظا من حظوظ النفس ، بل عين ذلك القول والفعل ونسبته إلى الله حظ تامّ لها وذنب لا ذنب أقوى منه. ويمكن أن تؤوّل الآيات الثلاث الأول على الوجه الثاني المبني على التطبيق فيقال : أفتطمعون ، أيتها القوى الروحانية ، أن تؤمن هذه القوى النفسانية لأجل هدايتكم منقادة. وقد كان فريق منهم كالوهم والخيال يسمعون كلام الله ، أي : يتلقفون المعاني الواردة من عند الله على القلب ثم يحرّفونه بالمحاكاة وكثرة الانتقالات وجعلها جزئية ، وإعطائها أحكام الجزئيات كما في المنامات والواقعات. من بعد ما عقلوه ، أي : أدركوه على حاله وهم يعلمون تحريفها وانتقالاتها إلى اللوازم والأشباه والأضداد.
وإذا لقوكم بالتوجه نحوكم ، وتلقن مدركاتكم عند حضوركم ، ومشايعتها إياكم ،
__________________
(١) في المطبوع : «أخاذات». والمثبت من «فتح الباري» (١ / ١٧٥) ، و «صحيح مسلم» (٤ / ١٧٨٧).
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
