[٦٣ ـ ٦٦] (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦))
(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) أي : عهدكم السابق أو اللاحق المأخوذ منهم في التوراة أو بدلائل العقل بتوحيد الأفعال والصفات (وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ) طور الدماغ للتمكن من فهم المعاني وقبولها. وقلنا (خُذُوا) أي : اقبلوا (ما آتَيْناكُمْ) من التوراة أو كتاب العقل الفرقاني بجدّ (وَاذْكُرُوا) وعوا ما فيه من الحكم والمعارف والعلوم والشرائع ، لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق (ثُمَ) أعرضتم (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) بإقبالكم إلى الجهة السفلية (فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ) بهدايته العقل (وَرَحْمَتُهُ) بنور البصيرة والشرع (لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا) اعلم : إن الناس لو أهملوا وتركوا وخلّى بينهم وبين طباعهم لتوغلوا وانهمكوا في اللذات الجسمانية ، والغواشي الظلمانية لضراوتهم بها واعتيادهم من الطفولية والصبا حتى زالت استعداداتهم وانحطوا عن رتبة الإنسانية ، فمسخوا كما قال تعالى : من لعنه الله وغضب عليه ، وجعل منهم القردة والخنازير ، وإن حفظوا وروّعوا بالسياسات الشرعية والعقلية والحكم والآداب والمواعظ الوعدية والوعيدية ترقوا وتنوّروا ، كما قال الشاعر :
|
هي النفس إن تهمل تلازم خساسة |
|
وإن تبتعث نحو الفضائل تبهج |
فلهذا وضعت العبادات ، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة ليزول عنهم بها درن الطباع المتراكم في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة في أزمنة اتخاذ اللذات ، وارتكاب الشهوات. فتتنوّر بواطنهم بنور الحضور ، وتنتعش قلوبهم بالتوجه إلى الحق عن السقوط في هاوية النفس والعثور ، وتستريح بروح الروح ، وحبّ الوحدة عن وحشة الهوى ، وتعلق الكثرة ، كما قال عليهالسلام : «الصلاة بعد الصلاة كفارة ما بينهما من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر». ألا ترى كيف أمرهم عند الحدث الأكبر ومباشرة الشهوة بتطهير الغسل ، وعند الأصغر بالوضوء ، وعند الاشتغال بالأشغال الدنيوية في ساعات اليوم والليل بالصلوات الخمس المزيلة لكدورات الحواس الخمس الحاصلة في النفس بسببها ، كل بما يناسبه ، فلذلك وضعوا بإزاء وحشة تفرقة الأسبوع وظلمة انفرادهم بدءوب الأشغال والمكاسب ، والملابس البدنية ، والملاذ النفسانية ، اجتماع يوم واحد على العبادة والتوجه لتزول وحشة التفرقة بأنس الاجتماع وتحصل بينهم المحبة والأنس وتزول ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية والإعراض عن الحق بنور العبادة والتوجه ، ويحصل لهم التنوّر فوضع لليهود أول أيام الأسابيع لكونهم أهل
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
