(قالُوا : أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) وتعريضهم بأولويتهم لذلك بقولهم : (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) هو احتجابهم عن ظهور معنى الإلهية والأوصاف الربانية فيه التي هي من خواص الهيئة الاجتماعية والتركيب الجامع للعالمين الحاصر لما في الكونين. وعلمهم بصدور الأفعال البهيمية التي هي الإفساد في الأرض ، والسبعية المعبر عنها بسفك الدماء اللتين هما من خواص قوّة الشهوة والغضب الضروري وجودهما في تعلق الروح بالبدن ، وبنزاهة ذواتهم وتقدّس نفوسهم عن ذلك ، إذ كل طبقة من الملائكة المقدّسة تطلع على ما تحتها وما في أنفسها ولا تطلع على ما فوقها ، فهي تعلم أنه لا بدّ في تعلق الروح العلوي النوراني بالبدن السفلي الظلماني من واسطة تناسب الروح من وجه ، وتناسب الجسم من وجه ، هي النفس ، وهي مأوى كل شرّ ، ومنبع كل فساد. ولا تعلم أن الجمعية الإنسانية جالبة للنور الإلهيّ الذي هو سرّ (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) والفرق بين التسبيح والتقديس ، أن التسبيح : هو التنزيه عن الشريك والعجز والنقص. والتقديس : هو التنزيه عن التعلق بالمحل وقبول الانفعال وشوائب الإمكان والتعدّد في ذاته وصفاته وكون شيء من كمالاته بالقوة. فالتقديس أخص ، إذ كل مقدّس مسبح وليس كلّ مسبح مقدسا ، فالملائكة المقرّبون الذين هم الأرواح المجرّدة بتجرّدهم وعدم احتجابهم عن نور ربهم وقهرهم ما تحتهم بإفاضة النور عليهم ، وتأثيرهم في غيرهم ، وكون جميع كمالاتهم بالفعل مقدّسون وغيرهم من الملائكة السماوية والأرضية مسبّحون ببساطة ذواتهم وخواص أفعالهم وكمالاتهم.
[٣١ ـ ٣٣] (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣))
(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) أي : ألقى في قلبه خواص الأشياء التي تعرف بها هي ومنافعها ومضارّها (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) أي : عرض مسمياتها (عَلَى الْمَلائِكَةِ) بشهودهم البنية الإنسانية ومرافقتهم لآدم في التنزيل. ومعنى قوله : (فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) إرادته لانتعاشهم ببعض معلومات الإنسان باقتضاء التركيب الإنساني ، وتأدّي محسوساته ومعلوماته المتنوعة منها والحادثة فيه بخاصية التركيب والهيئة الاجتماعية إلى ذواتهم بعد ما لم تكن ، إذ علومهم تابعة لعلمه وهو معنى إفحامهم وتعلق إرادته بذلك أمر آدم بالإنباء إذ جميع القوى الإنسانية والملائكة التي بحضرته تنتعش بما لا تنتعش هي في غير ذلك المحل ، وهو معنى إنباء آدم إياهم.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
