ولقلوبهم النفوس القدسيّة المطهرّة عن دنس الطبائع وكدر العناصر ، ولا جنة لأرواحهم لاحتجابهم عن المشاهدة.
[٢٦] (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦))
(إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي) لا يمتنع امتناع المستحيي (أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) إذ الكافر عنده أحقر من بعوضة ، والدنيا من جناحها ، كما نطق به الحديث. (أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) لمناسبة الممثل به الممثل له (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) الذين خرجوا من مقام القلب إلى مقام النفس ، ومن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان. وهم الفريق الثاني من الأشقياء لا الفريق الأول ، فإنهم ضالون في نفس الأمر على أيّ حال كان لا به ولا بسبب آخر. وإضلالهم به مسبّب عن فسقهم في الحقيقة ، إذ ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليّة وهي زيادة عنادهم وإنكارهم وحقدهم وغلبة صفات نفوسهم على قلوبهم بورود القرآن فيزيدهم بعدا وظلمة على ظلمة.
[٢٧] (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧))
(الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) هو الذي أشار إليه في قوله : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) (١). وقد ورد في الحديث : «أن الله تعالى مسح ظهر آدم بيده وأخرج ذريّته منه كهيئة الذرّ» ... الحديث. فيد الله هو العقل الأقدس ، والروح الأول الذي هو روح العالم المسمّى يمين الرحمن ، وآدم هو النفس الناطقة الكلية التي هي قلب العالم. ومسحه ظهره تأثير العقل فيها وتنويره إياها بنوره بالاتصال الروحاني ، وإخراج ذريّته منه إيجاد النفوس الشخصية الجزئية التي كانت فيها بالقوّة ، وإخراجها إلى الفعل. وعهد الله إليهم بقوله : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) إيداع علم التوحيد في ذواتهم وميثاق ذلك العهد ركز أدلة التوحيد في عقولهم وإلزام ذلك العلم إياهم وجعله من اللوازم الذاتية لهم ، بحيث إذا تجرّدوا عن الصفات النفسانية والغواشي الجسمانية تبين لهم ذلك ، وانكشف عليهم أظهر شيء وأبينه وهو إشهادهم على أنفسهم لكون ذلك العلم ضروريا حينئذ ، وإجابتهم لذلك بقولهم : (بَلى) قبولهم الذاتيّ له ، ونقض ذلك العهد انهماكهم في اللذات البدنية والغواشي الطبيعية وتعبدهم لهواهم وشهواتهم ، بحيث احتجبوا بها عن وحدة
__________________
(١) سورة الأعراف ، الآية : ١٧٢.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
