هيئات التعلّق بالأمور السفليّة ، ومحبة الأجساد الأرضية فيها التي هي سبب استيقاد نيرانها ، ولهذا قال : (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) أي : الأمور الجاسية ، السفلية ، الصامتة ، التي تعلقوا بها بالمحبة فرسخت صورها في أنفسهم ، وسجنت نفوسهم بميلهم إليها ، كما قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «المرء يحشر مع من أحبّ حتى لو أحبّ أحدكم حجرا حشر معه» ، وكيف لا ، وقد ركزت صورته في نفسه بالمحبة بحيث صار صورة قلبه صورته.
واعلم أن حرارة النار تابعة لصورتها النوعية التي هي روحانيتها وملكوتها ، وإلّا ساوت سائر الأجسام في خواصها ، وتلك الروحانية شرر من نار ، قهر الله المعنوية بعد تنزلها في مراتب كثيرة كتنزلها في مرتبة النفس بثورة الغضب ، إذ ربما تؤثر ثورة الغضب في إحراق الأخلاق ما لا تؤثر النار في الحطب. ومن هذا يعلم أن كل مسخن لا يجب أن يكون حارّا.
وإذا كانت النار الجسمانية أثرا للنار الروحانية ، فلا جرم أنّ إيلامها أشدّ وأدوم من إيلام هذه النار ، كيف وكل قوّة جسمانية متناهية دون القوى الروحانية؟ ، ولهذا المعنى يقال : إن نار جهنم غسلت بالماء سبعين مرّة ، ثم أنزلت إلى الدنيا ليمكن الانتفاع بها (أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) المحجوبين عن الدين لانقطاعهم دون مرادهم.
[٢٥] (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥))
(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) بالصانع وعملوا ما يصلحهم للجنة بمقتضى علمهم بتوحيد الأفعال إن لهم مراداتهم ومشتهياتهم فوق ما تصوّروا وتمنوا ، لتنكير الجنات ، والجنات الجارية من تحتها الأنهار أبهى وأطيب ما يكون من مقام ، وألذّ وأحلى ما يكون من مرام لأهل الدنيا ، فهي لنفوسهم من جنس جنات الدنيا ، وأصفى منها بحسب المعاد الجسمانيّ ، فإنه حق كما ستعلم. (كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ) في الدنيا ، فإنها مألوفهم (وَأُتُوا) بالرزق (مُتَشابِهاً) ولقلوبهم (١) هي مقاماتهم ، كالتوكل مثلا ، وروضات عالم القدوس التي تنشأ من كل مرتبة منها أنهار علوم تنفع السالكين ، وتنفع علّة المتعطشين المشتاقين. والثمرات هي الحكم والمعارف ، وقولهم : (هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ) إشارة إلى أن تلك العلوم والحكم كانت ثابتة للقلب حالة التجرّد ، فاحتجبت عنها بالتوغل في الأمور الطبيعية عند التعلق فنسيتها ، ثم تذكرت حين تجرّدت عن ملابسها لقوله عليه الصلاة والسلام : «الحكمة ضالة المؤمن». والأزواج لنفوسهم الحور العين المطهرّة عن الطمث والفواحش ،
__________________
(١) قوله : ولقلوبهم بهم إلخ ... كذا في الأصل وظاهر أن فيه سقطا وليحرّر ، اه مصححه.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
