بظلمه عن المتابعة وأيضا فمنكر الاتباع منكر المتبوعين ، ومنكر الظلّ منكر الذات خارج عن نورها. وإذا خالفوا نبيّهم لم يبق بينهم وبينه من الوصلة والمناسبة ما تمكن به الاستفاضة من نوره ، فحجبوا عن نوره وكانت أعمالهم منوّرة بنوره لأجل المتابعة ، لا نور ذاتيّ لها ، إذ لم تكن صادرة عن يقين ، فإذا زال نورها العارضي باحتجابهم عن نبيهم فقد أظلمت وصارت كسائر السيئات من صفات النفس الأمّارة ، وفيه ما سمعت غير مرّة من قتل كفار قوى النفس الأمّارة أنبياء القلوب والآمرين بالقسط من القوى الروحانية.
[٢٦] (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦))
(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) تملك ملك عالم الأجسام مطلقا ، تتصرّف فيه لا مالك ولا متصرّف ولا مؤثر فيه غيرك (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ) تجعله متصرّفا في بعضه (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ) بجعل التصرّف في يد غيره ولا غير ثمة بل تقلّبه من يد إلى يد ، فأنت المتصرّف فيه على كل حال بحسب اختلاف المظاهر (وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ) بإلقاء نور من أنوار عزّتك عليه فإنّ العزّة لله جميعا (وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ) بسلب لباس عزّتك عنه فيبقى ذليلا (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) كله ، وأنت القادر مطلقا ، تعطي على حسب مشيئتك ، تتجلى تارة على بعض المظاهر بصفة العز والكبرياء ، فتكسوه لباس العز والبهاء ، وتارة بصفة القهر والإذلال فتكسوه لباس الهوان والصغار ، وتارة بصفة المعز فتكون مذلا ، وتارة بصفة المذلّ فتكون معزا ، وتارة بصفة الغني فتعطي المال ، وتارة بصفة المغني فتفقره ، أي : تجعله مستغنيا عن المال ، فقيرا لا يحتاج إلى شيء.
[٢٧ ـ ٢٨] (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩))
(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) تدخل ظلمة النفس في نور القلب فيظلم ، وتدخل نور القلب في ظلمة النفس فتستنير بخلطهما معا مع بعد المناسبة بينهما (وَتُخْرِجُ الْحَيَ) أي : حيّ القلب (مِنَ الْمَيِّتِ) أي : من ميت النفس ، وميت النفس من حيّ القلب ، بل تخرج حيّ العلم والمعرفة من ميت الجهل ، وتخرج ميت الجهل من حيّ العلم تحجبه عن النور ، كحال بلعم بن باعوره (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ) من النعمة الظاهرة والباطنة جميعا ، أو من إحداهما (بِغَيْرِ حِسابٍ لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) إذ لا مناسبة بينهم في الحقيقة ، والولاية لا تكون إلّا بالجنسية والمناسبة ، فحينئذ لا يمكن أن
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
