تكون المحبة بينهم ذاتيّة ، بل مجعولة مصنوعة بالتصنع والرياء والنفاق وهي خصال مبعدة عن الحق إذ كلها حجب ظلمانية ولو لم يكن فيهم ظلمة تناسب حال الكفرة ما قدروا على مخالطتهم ومصاحبتهم (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ) أي : من ولاية الله في شيء ، معتدّ به ، إذ ليس فيهم نورية صافية يناسبون بها الحضرة الإلهية (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) أي : إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب أن يتقى ، فتوالوهم ظاهرا ليس في قلوبكم شيء من محبّتهم ، وذلك أيضا لا يكون إلا لضعف اليقين. إذ لو باشر قلوبهم اليقين لما خافوا إلا الله تعالى وشاهدوا معنى قوله تعالى : (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) (١) فما خافوا غيره ولم يرجوا غيره ، ولذلك عقبه بقوله : (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) أي : يدعوكم إلى التوحيد العياني كي لا يكون حذركم من غيره بل من نفسه (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) فلا تحذروا إلا إيّاه فإنه المطلع على أسراركم وعلانياتكم ، القادر على مجازاتكم إن توالوا أعداءه أو تخافوهم سرّا أو جهرا.
[٣٠] (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠))
(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ) الآية ، كل ما يعمله الإنسان أو يقوله يحصل منه أثر في نفسه وتنتقش نفسه به وإذا تكرر صار النقش ملكة راسخة ، وكذا ينتقش في صحائف النفوس السماوية ، لكنه مشغول عن هيئات نفسه ونقوشها بالشواغل الحسيّة والإدراكات الوهمية والخيالية ، لا يفرغ إليها ، فإذا فارقت نفسه جسدها ولم يبق ما يشغلها عن هيئاتها ونقوشها وجدت ما عملت من خير أو شرّ محضرا ، فإن كان شرّا تتمنى بعد ما بينها وبين ذلك اليوم أو ذلك العمل لتعذيبها به ، فتصير تلك الهيئات والنقوش صورتها إن كانت راسخة وإلا وجدت جزاءها بحسبها وتكرّر (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) تأكيدا لئلا يعملوا ما يستحقون به عقابه (وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) فلذا يحذرهم عن السيئات تحذير الوالد المشفق ولده عمّا يوبقه.
[٣١ ـ ٣٢] (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢))
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) لما كان عليه الصلاة والسلام حبيبه فكل من يدّعي المحبة لزمه اتباعه لأن محبوب المحبوب محبوب ، فتجب محبة النبيّ ، ومحبته إنما تكون بمتابعته وسلوك سبيله قولا وعملا وخلقا وحالا وسيرة وعقيدة ، ولا تمشي دعوى المحبة إلا بهذا فإنه قطب المحبة ومظهره وطريقته طلسم المحبة ، فمن لم يكن له من طريقته
__________________
(١) سورة يونس ، الآية : ١٠٧.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
