فاستجاب الله ـ عزوجل ـ وكانا قد دخلا فى السن (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ) فبينما هو يصلى فى المحراب حيث يذبح القربان إذا (١) برجل عليه بياض حياله وهو جبريل ـ عليهالسلام ـ فقال : (أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى) اشتق يحيى من أسماء الله ـ عزوجل ـ (مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) يعنى من الله ـ عزوجل ـ وكان يحيى أول من صدق بعيسى ـ عليهماالسلام ـ وهو ابن ثلاث سنين ، قوله الأول وهو ابن ستة أشهر (٢) فلما شهد يحيى أن عيسى من الله ـ عزوجل ـ عجبت بنو إسرائيل لصغره ، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه ، وهو فى خرقة وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين ، يحيى وعيسى ابنا خالة. ثم قال الله ـ سبحانه ـ : (وَسَيِّداً) يعنى حليما (وَحَصُوراً) لا ماء له (٣) (وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) ـ ٣٩ ـ والحصور الذي
__________________
(١) أ : فإذا
(٢) هكذا فى أ ، ل. والمراد أن عيسى حين نطق فى المهد كان ابن ستة أشهر (أى أشهر الحمل) وقد صدقه يحيى وكان عمر يحيى حينئذ ثلاث سنوات.
(٣) جاء فى تفسير ابن كثير ١ : ٣٦١ ، ٣٦٢.
قال القاضي عياض فى كتابه الشفاء : اعلم ان ثناء الله ـ تعالى ـ على يحيى أنه كان (حصورا) ليس كما قال بعضهم أنه كان هيوبا أو لا ذكر له. بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء وقالوا : هذه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء ـ عليهمالسلام ـ وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب أى لا يأتيها كأنه حصور عنها. وقيل ليست له شهوة فى النساء وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص وإنما الفضل فى كونها موجودة ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله ـ عزوجل ـ كيحيى ـ عليهالسلام ـ ثم هي فى حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه : درجة عليا وهي درجة نبينا ـ صلىاللهعليهوسلم ـ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه ، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره فقال «حبب إلى من دنياكم» هذا لفظه. والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتى النساء بل معناه كما قال هو وغيره : أنه معصوم من الفواحش والقاذورات ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن. بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) كأنه قال ولدا له ذرية ونسل وعقب. والله أعلم.
![تفسير مقاتل بن سليمان [ ج ١ ] تفسير مقاتل بن سليمان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3839_tafsir-muqatil-ibn-sulayman-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
