أنّ مشركي العرب سألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن الشهر الحرام قتال فيه ، ليعلموا أهو على تحريمه ذلك أم لا؟ فقالوا : يا محمّد ، أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال : نعم ، فأرادوا إن كان على تحريمه اغتزوه فقاتلوه. فقال الله : (قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) : وهذا منسوخ ، كان قبل أن يؤمر بقتالهم عامّة. (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ) : أى كفر بالله (وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ) : أى : إخراج أهل المسجد الحرام ، وهو الحرم كلّه (١) ، يعني إخراج النبيّ والمؤمنين ـ أخرجهم المشركون ـ أكبر من قتالهم. فقال الله : (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ) [البقرة : ١٩٤]. ذكر الحسن قال : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ) فاستحلّوا منكم القتل (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) أى : فاستحلّوا منهم ، أى جاوزوا ما كنتم تحرّمون منهم قبل ذلك.
قال بعض المفسّرين : ذكر لنا أنّ واقد بن عبد الله التميميّ ، وكان من أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوسلم قتل عمرو بن الحضرمي ، رجلا من المشركين ، في أوّل يوم من رجب. فعيّر المشركون أصحاب النبيّ عليهالسلام ، فأنزل الله (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ، قُلْ : قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ). يقول : الصدّ عن سبيل الله والكفر بالله أشدّ من القتل في الشهر الحرام. (وَإِخْراجُ أَهْلِهِ) يعني محمّدا صلىاللهعليهوسلم وأصحابه (أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ). ثمّ عيّر المشركين بأعمالهم ، أعمال السوء ، فقال : (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ).
قال مجاهد : أرسل رسول الله صلىاللهعليهوسلم رجلا في سريّة ، فمرّ بابن الحضرميّ وهو يحمل خمرا من الطائف إلى مكّة ، فرماه بسهم فقتله. وكان بين نبيّ الله وبين قريش عهد ، فقتله آخر ليلة من جمادى الثانية وأوّل ليلة من رجب ؛ فقالت قريش : أفي الشهر الحرام ولنا عليكم عهد؟! فأنزل الله (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ، قُلْ : قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ) ، يعني النبيّ وأصحابه ، فهذا كلّه أكبر من قتل ابن الحضرميّ ، (وَالْفِتْنَةُ) أى : الكفر بالله وعبادة الأوثان ، أكبر من هذا كلّه.
وقد كان المسلمون أخذوا بعض من كان مع ابن الحضرميّ أخذا ، وأفلت أحدهم ، وهو نوفل (٢) بن عبد الله ، فسبقهم إلى مكّة فأخبرهم بالذي صنع أصحاب محمّد ، فأمسوا فنظروا إلى
__________________
(١) وردت هذه الجملة : «وهو الحرم كلّه» في النسخ الثلاث ، بعد الجملة : «أخرجهم المشركون» وهو خطأ ، فوضعتها في مكانها لأنّها شرح لما سبقها.
(٢) في المخطوطات الثلاث : «نفيل» والصحيح «نوفل» كما ورد في كتب التفسير وفي سيرة ابن هشام ج ٢ ـ
![تفسير كتاب الله العزيز [ ج ١ ] تفسير كتاب الله العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3818_tafsir-kitab-allah-alaziz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
