نزل يوم عاشوراء ، فصامه شكرا. وبقي ستة أشهر على الماء. (وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ؛ هلاكا لهم. يقال : بعد ، إذا بعد بعدا بعيدا ، بحيث لا يرجى عوده ، ثم استعير للهلاك. وخص بدعاء السوء.
والآية ـ كما ترى ـ فى غاية الفصاحة ؛ لفخامة لفظها وحسن نظمها ، والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. وإيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل ، وأنه متعين فى نفسه ، مستغن عن ذكره ، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره ؛ للعلم به ، فإن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار. قاله البيضاوي.
فإن قلت : قد عم الغرق الدنيا كلها ، مع أن دعوة نوح عليهالسلام لم تكن عامة ، وقد قال تعالى : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١)؟ فالجواب : أن الكفر قد كان عم الموجودين فى ذلك الزمان ، مع تمكنهم من النظر والاستدلال على الصانع وتوحيده ، ومع قدرتهم على الإتيان إلى نوح فى أمر الشرائع ، فقصروا فى الجهتين. وأيضا : لم تكن الأرض كلها معمورة بالناس ، فكل من كان موجودا سمع بدعوة نوح فجحدها. والله تعالى أعلم. وانظر ابن عطية عند قوله : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ). والله تعالى أعلم.
الإشارة : إذا توالت على القلب الواردات الإلهية السماوية ، والأحوال النفسانية المزعجة ، خيف على العقل الاختطاف والاصطلام ، فقيل يا أرض النفس ابلعي ماءك واسكني ، ويا سماء الواردات أقلعى ، وغيض الماء ، أي : نقص هيجان الحال ، وقضى الأمر بالاعتدال ، واستوت سفينة الفكرة على جبل العقل ، فحاز الشرف والكمال ؛ لكونه برزخا بين بحرين ، يعطى الحقيقة حقها والشريعة حقها ، فيعطى كل ذى حق حقه ، ويوفى كل ذى قسط قسطه. وقيل : بعدا لمن تخلف عن هذا المقام ، وظلم نفسه بإلقائها فى سجن الهوى وغيهب الظلام. والله تعالى أعلم.
ولمّا غرق كنعان مع من غرق ، استفهم نوح عليهالسلام ربه عن الوعد الذي وعده بإنجاء أهله ، كما قال تعالى :
(وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧))
__________________
(١) من الآية : ١٥ من سورة الاسراء.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
