من ساج ، وهو خشب أسود ، رزان ، لا تكاد الأرض تبليه ، يجلب من الهند. ه. وفى رواية أخرى : صنعها نوح عليهالسلام ، وجبريل يصف له ، فكان أسفلها كأسفل السفن وأعلاها كالسقف ، وداخلها كالبيت ، ولها أبواب فى جوانبها. ه.
ثم إن نوحا عليهالسلام لما تحقق هلاك قومه ، رق عليهم ، فهمّ أن يراجع الله فى شأنهم ، فقال له تعالى : (وَلا تُخاطِبْنِي) ؛ ولا تراجعنى (فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) ، ولا تدع باستدفاع العذاب عنهم ؛ (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) : محكوم عليهم بالغرق لا محالة. فلا سبيل إلى كفه.
(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) ، حكى ما وقع بصيغة الحال ؛ استحضارا لتلك الحال العجيبة ، (وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ) : جماعة (مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) : استهزءوا به ، لأنه كان يعمل السفينة فى برية بعيدة من الماء. أو أن عزته تنفى صنعته ، فكانوا يضحكون منه ، ويقولون له : صرت نجارا بعد أن كنت نبيا. (قالَ) لهم : (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ) ، فنسخر منكم حين يأخذكم فى الدنيا الغرق ، وفى الآخرة الحرق. (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) ، وهو : الغرق ، والحرق بعده ، (وَيَحِلُ) أي : ينزل (عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ) : دائم ، وهو النار يوم القيامة.
الإشارة : إذا تحقق الولي بإعراض الخلق عنه ، وأيس منهم أن يتبعوه. فلا يحزن ، ولا يغتم منهم ، ففى الله غنى عن كل شىء ، وليس يغنى عنه شىء. وفى إعراض الخلق راحة لقلب الولي ولبدنه ، فإذا سخروا منه فليقل فى نفسه : إن تسخروا منا اليوم ، فنسخر منكم حين تحقق الحقائق ، فيرتفع المقربون ، وينسفل الباطلون ، وكان شيخ أشياخنا سيدى على العمراني رضى الله عنه كثيرا ما يقول : ليت القيامة قامت ، حتى يظهر الرجال من غيرهم. أو ما هذا معناه.
ثم ذكر مبدأ الطوفان ، فقال :
(حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠))
قلت : حتى : غاية لقوله : (ويصنع الفلك) ، أو ابتدائية. و (اثنين) مفعول باحمل ، و (أهلك) : عطف عليه.
يقول الحق جل جلاله : (حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا) بغرقهم ، أو أمرنا للأرض بالفوران وللسحاب بالإرسال ، (وَفارَ التَّنُّورُ) ؛ نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور. والتنور : تنور الخبز ، ابتدأ منه النبوع ، على خرق العادة ، أرادت ابنته أن تسجره ففار الماء فى النار ، روى أنه كان تنور آدم ، خلص إلى نوح ، فكان يوقد فيه ، وقيل : كان فى الكوفة فى موضع مسجدها. وقيل : فى الهند ، وقيل : التنور : وجه الأرض (١). قاله ابن عباس.
__________________
(١) ورجح الطبري القول الأول ؛ لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
