ثم قال : (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أي : ولا أقول : إنى أعلم الغيب ، فأعلم من أصحابى ما يسترونه عنى فى نفوسهم ، فسبيلى قبول ما ظهر منهم. أو : لا أعلم أنهم اتبعونى فى بادى الرأى من غير بصيرة وعقد قلب (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) حتى تقولوا : ما نراك إلا بشرا مثلنا. (وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) أي : تحتقرهم. من زريت على الرجل : قصرت به. قلبت تاؤه دالا ؛ لتجانس الزاى للتاء (١) ، والمراد بهم ضعفاء المؤمنين ، أي : لا أقول فى شأن من احتقرتموهم ، لفقرهم : (لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً) ؛ فإنّ ما أعد الله لهم فى الآخرة خير مما آتاكم فى الدنيا. (اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ) من خير أو غيره. (إِنِّي إِذاً) أي : إن قلت شيئا من ذلك ، (لَمِنَ الظَّالِمِينَ).
قال البيضاوي : وإسناده إلى الأعين ؛ للمبالغة ، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادى الرأى من غير روية ، مما عاينوه من رثاثة حالهم وقلة منالهم ، دون تأمل فى معانيهم وكمالاتهم. وقال أيضا : وإنما استرذلوهم لفقرهم ؛ لأنهم لمّا لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الأحظ (٢) بها أشرف عندهم ، والمحروم منها أرذل. ه.
الإشارة : لا يشترط فى وجود الخصوصية ظهور الكرامة ؛ فقد تظهر الكرامة على من لم تكمل له الاستقامة ، فلا يشترط فيه الاطلاع على خزائن الغيوب ، وإنما يشترط فيه التطهير من نقائص العيوب ، لا يشترط فيه الإنفاق من الغيب ، وإنما يشترط فيه الثقة بما ضمن له فى الغيب. والله تعالى أعلم.
ثم استعجلوا العذاب ، كما قال تعالى :
(قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤))
قلت : (إِنْ أَرَدْتُ) : شرط حذف جوابه ؛ لتقدم ما يدل عليه ، وكذا (إن كان الله يريد أن يغويكم) ، والتقدير : إن كان الله يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم. أي : فكذلك. فهو من تعليق الشرط ، كقولك : إن دخلت الدار ، إن كلمت زيدا ، فأنت طالق. فلا تطلق إلا بهما ، ثم استأنف : (هو ربكم).
يقول الحق جل جلاله : (قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا) : خاصمتنا (فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) : خصامنا ومخاطبتنا ، (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا) من العذاب ، (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فى الدعوى والوعيد ، فإن مناظرتك
__________________
(١) لأن الزاى مجهورة والتاء مهموسة ، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها.
(٢) فى الأصول : (اللاحظ لها). والمثبت هو الذي فى تفسير البيضاوي.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
