الإشارة : تكذيب الصادقين سنة ماضية ، وأتباع الخصوص موسومون بالذلة والقلة ، وهم أتباع الرسل والأولياء ، وهم أيضا جل أهل الجنة ؛ لأن المصطفى صلىاللهعليهوسلم قال : «أهل الجنّة كلّ ضعيف مستضعف» (١) وقالت الجنة : مالى لا يدخلنى إلا سقّط الناس؟ فقال لها الحق تعالى : «أنت رحمتى أرحم بك من أشاء» حسبما فى الصحيح.
ثم أجابهم بقوله :
(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨))
قلت : «أنلزمكموها» : يصح فى الضمير الثاني الوصل والفصل ؛ لتقدم الأخص.
يقول الحق جل جلاله : (قالَ) نوح لقومه : (يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ) : أخبرونى ، (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) ؛ على طريقة واضحة من عند ربى ، أو حجة واضحة شاهدة بصحة دعواى ، (وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) النبوة ، (فَعُمِّيَتْ) ؛ خفيت (عَلَيْكُمْ) فلم تهتدوا إليها ، (أَنُلْزِمُكُمُوها) ؛ أنكرهكم على الاهتداء بها (وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) لا تختارونها ولا تتأملون فيها. ولم يؤمر بالجهاد ، بل تركهم حتى نزل بهم العذاب.
الإشارة : طريقة أهل التذكير ـ الذين هم على بينة من ربهم ـ : أنهم يذكرون الناس ، ولا يكرهون أحدا على الدخول فى طريقهم ، إذا عميت عليهم. والله تعالى أعلم.
ثم قال :
(وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠))
يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن نوح عليهالسلام : (وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) ؛ على التبليغ المفهوم من السياق ، (مالاً) : جعلا أنتفع به ، (إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) ؛ فإنه المأمول منه. ثم طلبوا منه طرد الضعفاء ليجالسوه ، فقال لهم : (وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) فيخاصمونى إن طردتهم ، أو : إنهم ملاقوه
__________________
(١) أخرجه ابن ماجه فى (الزهد ، باب من لا يؤبه له) من حديث معاذ بن جبل.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
