منه فتنة ، وهو همه بما لا يجوز ، تعدّت فتنته إلى السر وهى الحجبة. وكذلك المقدّم فى شأنه ، إذا فعل ما لا يجوز ، انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه إلى متّبعيه وتلامذته ، فكان انقطاع تلك البركات عنهم نصيبهم من الفتنة ، وهم لم يعملوا ذنبا ، ويقال : إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر أصابتهم فتنة بتركهم الإنكار عليهم فيما فعلوا من الإجرام.
ثم قال : ويقال : إنّ الزاهد إذا انحط إلى رخصة الشرع فى أخذ الزيادة من الدنيا بما فوق الكفاية ـ وإن كانت من وجه حلال ـ تعدت فتنته إلى من يتخرج على يديه من المبتدئين ، فيحمله على ما رأى منه على الرغبة فى الدنيا ، وترك التقلل ، فيؤديه إلى الانهماك فى أودية الغفلة فى الأشغال الدنيوية. والعابد إذا جنح إلى سوء ترك الأوراد تعدّى ذلك إلى ما كان ينشط فى المجاهدة به ، ويتوطّن الكسل ، ثم يحمله الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات ، فيصير كما قيل :
|
إن الشباب والفراغ والجدة |
|
مفسدة للمرء أيمفسدة (١) |
فهذا يكون نصيبهم من الفتنة ، والعارف إذا رجع إلى ما فيه حظ له ، نظر إليه المريد فتتداخله فتنة فترة فيما هو به من صدق المنازلة ، فيكون ذلك نصيبه من فتنة العارف. وبالجملة : إذا غفل الملك ، وتشاغل عن سياسة رعيته ، تعطّل الجند والرعية ، وعظم فيهم الخلل والبليّة ، وفى معناه أنشدوا :
|
رعاتك ضيّعوا ـ بالجهل منهم |
|
غنيمات فساستها ذئاب. |
انتهى كلامه رضى الله عنه.
ثم ذكّرهم بالنعم ، فقال :
(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦))
يقول الحق جل جلاله : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ) أي : اذكروا هذه النعمة ، حيث كنتم بمكة وأنتم قليل عددكم مع كثرة عدوكم ، (مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ) أي : أرض مكة ، يستضعفكم قريش ويعذبونكم ويضيقون عليكم ، (تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) أي : قريش ، أو من عداهم ، (فَآواكُمْ) إلى المدينة ، وجعلها لكم مأوى
__________________
(١) البيت لأبى العتاهية .. انظر : (نهاية الأرب ٣ / ٨٠ ومعاهد التنصيص ٢ / ٨٣).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
