يقول الحق جل جلاله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ) أي : أجيبوه فيما دعاكم إليه ، (وَلِلرَّسُولِ) فيما دلكم عليه من الطاعة والإحسان ، (إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) من العلوم الدينية ؛ فإنها حياة القلب ، كما أن الجهل موته ، أو (إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) الحياة الأبدية ، فى النعيم الدائم ، من العقائد والأعمال ، أو من الجهاد ، فإنه سبب بقائكم ؛ إذ لو تركتموه لغلبكم العدو وقتلكم ، أو الشهادة ، لقوله تعالى : (أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (١) ، ووحد الضمير فى قوله : (إِذا دَعاكُمْ) باعتبار ما ذكر ، أو لأن دعوة الله تسمع من الرسول.
وفى البخاري : أن الرسول صلىاللهعليهوسلم دعا أبىّ بن كعب ، وهو فى الصّلاة ، فلم يجب ، فلما فرغ أجاب ، فقال له صلىاللهعليهوسلم : «ما منعك أن تجيبنى؟ فقال : كنت أصلى ، فقال : ألم تسمع قوله : (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ).» (٢) فاختلف فيه العلماء ، فقيل لأن إجابته صلىاللهعليهوسلم لا تقطع الصلاة ، فيجيب ، ويبقى على صلاته ، وقيل : إن دعاءه كان لأمر لا يقبل التأخير ، وللمصلى أن يقطع الصلاة لمثله ، كإنقاذ أعمى وشبهه.
ثم قال تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) ؛ فينقله من الإيمان إلى الكفر ، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن اليقين إلى الشك ، ومن الشك إلى اليقين ، ومن الصفاء إلى الكدر ، ومن الكدر إلى الصفاء. قال البيضاوي : هو تمثيل لغاية قربه من العبد ؛ كقوله تعالى : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (٣) ، وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب ، مما عسى أن يغفل عنها صاحبها ، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها ، قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره ، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه ؛ فيفسخ عزائمه ، ويغير مقاصده ، ويحول بينه وبين الكفر ، إن أراد سعادته ، وبينه وبين الإيمان ، إن قضى شقاوته. ه. (وَ) اعلموا أيضا (أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ؛ فيجازيكم بأعمالكم وعقائدكم.
الإشارة : قد جعل الله ، من فضله ورحمته ، فى كل زمان وعصر ، دعاة يدعون الناس إلى ما تحيا به قلوبهم ، حتى تصلح لدخول حضرة محبوبهم ، فهم خلفاء عن الله ورسوله ، فمن استجاب لهم وصحبهم حيى قلبه ، وتطهر سره ولبه ، ومن تنكب عنهم ماتت روحه فى أودية الخواطر والأوهام.
__________________
(١) من الآية ١٦٩ من سورة آل عمران.
(٢) أخرجه البخاري فى (تفسير سورة الأنفال ـ باب قول الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ..) وفيه أن المدعو هو «أبو سعيد المعلى» وليس «أبى» أما حديث أبى فأخرجه الترمذي فى : (فضائل القرآن ـ باب ما جاء فى فضل فاتحة الكتاب) وأحمد فى المسند ٥ / ١١٤ والدارمي فى (فضائل القرآن ـ باب فضل فاتحة الكتاب) والحاكم فى المستدرك (١ / ٥٥٨) وصححه ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر : وجمع البيهقي بأن القصة وقعت لأبى بن كعب ولأبى سعيد بن المعلى. راجع الفتح ٨ / ١٥٨.
(٣) الآية ١٦ من سورة ق.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
