قلت : (إذ) : بدل ثان من (إذ يعدكم) ، أو متعلق بالنصر ، لما فى (عند الله) من معنى الفعل ، أو بإضمار اذكروا. ومن قرأ بضم الياء ، فهو من أغشى ، أي : غطى ، ومن قرأ بالتشديد ، فهو من غشى المضعف ، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين ، الكاف الأول والنعاس الثاني ، ومن قرأ بالفتح والتخفيف ، فهو من غشى يغشى ؛ المتعدى إلى واحد ، و (أمنة) : مفعول من أجله.
يقول الحق جل جلاله : واذكروا (إِذْ يُغَشِّيكُمُ) ، أي : حين كان يغشيكم (النُّعاسَ) وأنتم فى القتال ، حين ينزل عليكم الأمن من العدو بعد شدة الخوف ، وذلك لأجل الأمن الذي نزل من الله عليكم بعد شدة خوفكم. قال ابن مسعود رضى الله عنه : النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو.
ثم ذكّرهم بمنة أخرى ، فقال : (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) من الحدث والجنابة ، (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ) أي : وسوسته وتخويفه إياهم من العطش ، روى أنهم نزلوا فى كثيب رمل دهس ، تسوخ فيه الأقدام ، على ماء قليل ، وناموا فاحتلم أكثرهم ، فوسوس إليهم الشيطان ، وقال : كيف تنصرون وأنتم تصلون محدثين مجنبين ، وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله؟ ، فأشفقوا ، فأنزل الله المطر ، فمطروا ليلا حتى جرى الوادي ، فاتخذوا الحياض على عدوته ، وسقوا الركاب ، واغتسلوا وتوضؤوا ، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو ، حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الدهوسة ، وهذا معنى قوله : (وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) أي : وليربط على قلوبكم بالوثوق على لطف الله وزوال ما وسوس إليهم الشيطان ، وذهاب الكسل عنها. (وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) حتى لا تسوخ فى الرمل ، أو بالربط على القلوب حتى تثبت فى مداخص الحرب.
واذكروا أيضا : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) أي : أثبت أقدامكم حين أوحي إلى الملائكة أنى معكم فى نصر المؤمنين وتثبيتهم ، (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) بتكثير عددهم ، أو بالبشارة لهم ، أو بمحاربة أعدائهم ، على قول من قال : إنهم باشروا القتال. (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) والجزع ، حتى لا يثبتوا لقتالكم ، يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة ، أو استئناف ؛ إخبارا للمؤمنين عما يفعله بعدوهم عاجلا وآجلا. ثم قال للملائكة أو للمؤمنين : (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) أي : أعاليها التي هى المذابح والرؤوس ، (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) أي : أصابعهم ، أي : جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.
الإشارة : كان شيخ شيخنا يشير على الفقراء ، إذا كثرت عليهم الخواطر والهواجس ، بالنوم ، ويقول : من تشوش خاطره فليرقد حتى يشبع من النعاس ، فإنه يجد قلبه ؛ لأن النعاس أمنة من الله يذهب به رجز الشيطان وثقله ، ويربط على القلوب فى الحضرة ؛ لأنه زوال ، وإذا زال العبد ظهر الحق وزهق الباطل.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
