وتحريض للمؤمنين على التشبه بالملأ الأعلى ، ولذلك شرع السجود عند قراءتها. وعن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «إذا قرأ ابن آدم السجدة ، فسجد ، أعتزل الشيطان يبكى ، يقول : يا ويله ؛ أمر هذا بالسّجود فسجد فله الجنّة ، وأمرت بالسّجود فعصيت فلى النار» (١).
الإشارة : اعلم أن الذكر على خمسة أقسام : ذكر اللسان فقط ؛ لعوام المسلمين ، وذكر اللسان مع القلب ؛ لخواص الصالحين وأول المتوجهين ، وذكر القلب فقط ؛ للأقوياء من السائرين ، وذكر الروح ؛ لخواص أهل الفناء من الموحدين ، وذكر السر ؛ لأهل الشهود والعيان من المتمكنين ، وفى قطع هذه المقامات يقع السير للسائرين ، فيترقى من مقام ، إلى مقام ، حتى يبلغ إلى ذكر السر ، فيكون ذكر اللسان فى حقه غفلة.
وفى هذا المقام قال الواسطي رضى الله عنه : الذاكرون فى حال ذكره أشد غفلة من التاركين لذكره ؛ لأن ذكره سواه.
وفيه أيضا قال الغزالي : ذكر اللسان يوجب كثرة الذنوب. وقال الشاعر :
|
ما إن ذكرتك إلّا همّ يلعننى |
|
سرّى ، وقلبى ، وروحى ، عند ذكراك |
|
حتّى كأنّ رقيبا منك يهتف بي : |
|
إيّاك ، ويحك ، والتّذكار إياك |
|
أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده |
|
وواصل الكلّ من معناه معناك |
وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) ... الآية ، قال القشيري : أثبت لهم عندية الكرامة ، وحفظ عليهم أحكام العبودية ؛ كى لا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم ، وهذه سنّة الله تعالى مع خواص عباده ، يلقاهم بخصائص عين الجمع ، ويحفظ عليهم حقائق عين الفرق ، لئلا يخلّوا بآداب العبودية فى أوان وجود الحقيقة. ه.
__________________
(١) أخرجه مسلم فى (الإيمان ـ باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة) من حديث أبى هريرة ـ رضى الله عنه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
