ثم وصفهم بقوله : (يَعْرِفُونَ كُلًّا) من أهل الجنة والنار ، (بِسِيماهُمْ) : بعلامتهم التي أعلمهم الله بها ؛ كبياض الوجوه فى أهل الجنة ، وسوادها فى أهل النار ، أو غير ذلك من العلامات. (وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ) ، إذا نظروا إليهم ، فقالوا لهم : (أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ، أي : نادوهم بالسلام عليهم ، (لَمْ يَدْخُلُوها) أي : الجنة ، (وَهُمْ يَطْمَعُونَ) فى دخولها.
(وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ) أي : التفتوا إليهم على وجه القلة ، تعوذوا من حالهم ، (قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فى النار.
الإشارة : إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العلى الكبير ؛ نادوا أهل البطالة والتقصير ، فقالوا لهم : قد وجدنا ما وعدنا ربنا ؛ من كشف الحجاب والدخول مع الأحباب ، حقّا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا كما وجدنا نحن؟ قالوا على وجه الدعوى والغلط : نعم ، فأذن مؤذن بينهم ، بلسان الحال : أن لعنة الله على الظالمين ؛ الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم ، ولم يخرقوا شيئا من عوائدهم ، مع تراميهم على مراتب الرجال ، وادعائهم بلوغ غاية الكمال ، الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجا ، وهم بالخصلة الآخرة ـ وهى إشراق نور الحقيقة على أهل التربية ـ هم كافرون ، وبينهما حجاب كبير ، وهو حجاب الغفلة ، فلا يعرفون أهل اليقظة ، وهم أهل مقام الإحسان ، بل بينهما مفاوز ومهامه (١) ، كما قال الشاعر :
|
تركنا البحور الزّخرات وراءنا |
|
فمن أين يدرى النّاس أين توجّهنا |
وعلى الأعراف ؛ وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة ، رجال من أهل الاستشراف ، يعرفون كلا من العوام والخواص بسيماهم ، ونادوا أصحاب الجنة أي : الواصلين إلى جنة المعارف : أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ، لأنهم فى حالة السير ، وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ، أي : نار الحجاب والتعب ، وهم العوام ، قالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.
ثم ذكر شماتة أهل الأعراف بأهل النار ، فقال :
(وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩))
__________________
(١) المهامة : جمع مهمه : وهي المفازة البعيدة. انظر اللسان (مهه).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
