ثم ذكّرهم بنعمة اللباس ، الذي عوضهم به فى الدنيا عن لباس الجنة ، فقال :
(يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦))
قلت : من قرأ : (لباس) ؛ بالرفع ؛ فهو مبتدأ ، والجملة : خبر ، والرابط : الإشارة ، والريش : لباس الزينة ، مستعار من ريش الطير.
يقول الحق جل جلاله : (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً) أي : خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة ، ونظيره : قوله تعالى : (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) (١) ، وقوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) (٢). من صفة ذلك اللباس : (يُوارِي) أي : يستر (سَوْآتِكُمْ) التي قصد إبليس إبداءها ، ويغنيكم عن خصف الورق. روى أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ، ويقولون : لا نطوف فى ثياب عصينا الله تعالى فيها ، فنزلت. ولعل ذكر قصة آدم تقدمة لذلك ؛ حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان ، وأنه أغواهم فى ذلك كما أغوى أبويهم. قاله البيضاوي.
(وَرِيشاً) أي : ولباسا فاخرا تتجملون به (وَلِباسُ) أي : وأنزلنا عليكم لباس (التَّقْوى) ؛ وهى خشية الله تعالى ، أو الإيمان ، أو السمت الحسن ، واستعار لها اللباس ؛ كقولهم : ألبسك الله لباس تقواه ، وقيل : لباس الحرب. ومن قرأ بالرفع ؛ فخبره : (ذلِكَ خَيْرٌ) أي : لباس التقوى خير من لباس الدنيا ؛ لبقائه فى دار البقاء دون لباس الدنيا ؛ فإنه فإن فى دار الفناء ، (ذلِكَ) أي : إنزال اللباس من حيث هو خير (مِنْ آياتِ اللهِ) الدالة على فضله ورحمته ، (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) فيعرفون نعمه ، فيشكرون عليها ، أو يتعظون فينزجرون عن القبائح.
الإشارة : اللباس الذي يوارى سوءات العبودية ـ أي : نقائصها ـ هى أوصاف الربوبية ونعوت الألوهية ؛ من عز وغنى ، وعظمة وإجلال ، وأنوار وأسرار ، التي أشار إليها فى الحكم بقوله : «لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك ، ومحو دعاويك ، لم تصل إليه أبدا ، ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه ، ونعتك بنعته ، فوصلك بما منه إليك ، لا بما منك إليه». والريش هو بهجة أسرار المعاني التي تغيب ظلمة الأوانى ، أو بهجة الأنوار التي تفنى الأغيار ، ولباس التقوى هى حفظه ورعايته لأوليائه فى الظاهر والباطن مما يكدر صفاءهم أو يطمس أنوارهم. والله تعالى أعلم.
__________________
(١) من الآية ٦ من سورة الزمر.
(٢) من الآية ٢٥ من سورة الحديد.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
