كقول عيسى عليهالسلام : (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) ، وكقول إبراهيم عليهالسلام : (وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً) (٢) الآية ، وكقوله : (وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣) ، وكقول شعيب عليهالسلام : (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا) (٤) وكاستغفار نبينا صلىاللهعليهوسلم للمنافقين قبل نزول النهى ، وبعد نزوله ، (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ...) (٥) الآية. وكقوله ، يوم بدر : «إن تهلك هذه العصابة لن تعبد» ، مع تقدم الوعد بالنصر ، وكخوف موسى بعد قوله : (لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما ...) (٦) الآية.
ومنه : خوف الأكابر بعد تأمينهم ؛ لأن ظاهر الوعد والوعيد لا يقضى على باطن المشيئة والعلم ، ومثله يجرى فى سورة هود فى قوله : (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) (٧) ، وفى سورة يوسف : (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) (٨) بالتخفيف ، وغير ذلك مما ورد فى الكتاب والسنة ، وانظر الورتجبي. فقد انفرد بمقالة ، بعد حكاية اتفاق مذاهب المسلمين جميعا على عدم غفران الشرك ، ولكن قول عيسى عليهالسلام : (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ...) الآية ، يشير إلى ما أشار إليه ابن عباس وابن مسعود فى قوله تعالى : (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) قال (٩) : تؤمر النار أن تأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم ، ويرجى من كرم الله ولطفه إدخالهم بعد ذلك الجنة ، قال : وهذا مرجو ، ليس بمعتقد أهل السنة. ه.
قال فى الحاشية : وهو يرجع عند التحقيق إلى طرح الأسباب وعدم الوقوف معها ، نظرا إلى أن الحق تعالى لا يتقيد فى وعيد ولا وعد ، فمن غلبه النظر إليه ، سرى إليه الرجاء فى عين التخويف ، كما أنه يسرى الخوف فى عين الرجاء ، لكونه اقتطع من الوقوف مع خصوص وصف ، ولما كانت تلك الحالة هى عين الأدب اللائق بالعبودية مع الله تعالى أرشد تعالى إليها بقوله : (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) ، (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) ، وهو حال أهل الحقيقة ، والوقوف مع خصوص الوعد أو الوعيد حال أهل الشريعة. انتهى ببعض اختصار. وقد رد الثعالبي هذه المقالة التي حكاها الورتجبي.
ثم وبخهم على عدم الإيمان بالرسل ، فقال :
(يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١)
__________________
(١) الآية ١١٨ من سورة المائدة.
(٢) الآية ٨٠ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ٣٦ من سورة ابراهيم.
(٤) الآية ٨٩ من سورة الأعراف.
(٥) الآية ٨٠ من سورة التوبة.
(٦) الآية ٤٦ من سورة طه.
(٧) من الآية ١٠٧.
(٨) من الآية ١١٠
(٩) أي : الورتجبي.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
