فيكون تناوله لتلك النعمة بالله من الله إلى الله ، وهذا هو المقصود من الأمر بذكر اسم الله ، لأن الاسم عين المسمى فى التحقيق ، فإن كان الأكل أو غيره مما شرعت التسمية فى أوله ، على هذا التيقظ ، فهو طائع لله وعابد له فى أكله وشربه ، وسائر أحواله ، وإن كان غافلا عن هذا ، فأكله فسق ، قال تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) ، سبب ذلك : غلبة الغفلة. والغفلة من وحي الشيطان ، (وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ). أو : ولا تنظروا إلى الأشياء بعين الفرق والغفلة ، بل اذكروا اسم الله عليها وكلوها بفكرتكم (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ) عليه من الأشياء ؛ فإنه غفلة وفسق فى الشهود ، وقوله تعالى : (وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ) ؛ هو ما ظهر على الجوارح من الذنوب ، وقوله : (وَباطِنَهُ) ؛ هو ما كمن فى السرائر من العيوب. والله تعالى أعلم.
ثم حذر من الشرك والكفر ، فقال :
(أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢))
قلت : (كمن) : موصولة ، و (مثله) : مبتدأ ، و (فى الظلمات) : خبره ، وقيل : مثل ـ هنا ـ زائدة ، أي : كمن هو فى الظلمات ، و (ليس بخارج) : حال من الضمير فى الخبر.
يقول الحق جل جلاله : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً) (١) بالكفر والجهل (فَأَحْيَيْناهُ) بالإيمان والعلم ، (وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً) فى قلبه أي : نور الإيمان والعلم ، (يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) ، فيذكرهم بالله ، ويدلهم على الله ، (كَمَنْ مَثَلُهُ) غريق (فِي الظُّلُماتِ) فى ظلمة الكفر والجهل والتقليد والذنوب ، (لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) أي : لا يفارق ضلالته بحال. (كَذلِكَ) أي : كما زين الإيمان لهؤلاء (زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ).
قال البيضاوي : مثل به من هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال ، وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها فى الأشياء ، فيميز بين الحق والباطل ، والمحق والمبطل ، ثم قال : والآية نزلت فى حمزة وأبى جهل ، وقيل : فى عمّار وعمر وأبى جهل. ه. ولفظها أعم ، وفى الآية من أنواع البيان : الطباق ؛ فى قوله : (مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ).
الإشارة : الروح تكون أولا على الفطرة التي فطرها الله عليها ، من العلم والإقرار بالربوبية ، فإذا بلغت قد تطرأ عليها موتات ، ثم تحيا من كل واحدة على حسب المشيئة ، فقد تموت بالكفر ، ثم تحيا بالإيمان ، وقد تموت بالذنوب والجرائم ، ثم تحيا بالتوبة ، وقد تموت بالحظوظ والشهوات ، ثم تحيا بالزهد والورع والرياضة ، وقد تموت بالغفلة والبطالة ثم تحيا باليقظة والإنابة ، وقد تموت برؤية الحس وسجن الأكوان والهيكل ، ثم تحيا برؤية المعاني وخروج الفكرة إلى فضاء الشهود والعيان ، ثم لا موت بعد هذا إلى أبد الأبد. والله تعالى أعلم.
__________________
(١) قرأ نافع : «ميتا» بالتشديد ، وقرأ الآخرون : «ميتا» بالتخفيف.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
